عودة الأوديسة.. أو اللاعودة؟


هل شاهدت الفيلم؟

Author

عبير اليوسفي

هناك كتب تنتمي إلى زمنها، ثم تصبح وثائق تاريخية. وهناك كتب يحدث معها العكس تمامًا؛ كلما مر عليها الزمن، ازدادت قدرة على تفسير الحاضر. الأوديسة من هذا النوع الثاني. فمن الصعب أن نشاهد فيلمًا جديدًا عنها أو نقرأ رواية تستلهمها دون أن تفكر بشيء بسيط: لماذا لا نتوقف عن العودة إلى هذه الحكاية؟


قد يكون الجواب المعتاد أنها أعظم حكاية عن المغامرة. لكن هذا لا يبدو مقنعًا. لقد امتلأ الأدب بحكايات السفر والبطولات، بينما بقيت الأوديسة وحدها قادرة على أن تعبر القرون دون أن تفقد شيئًا من حدتها. ربما لأن البحر لم يكن يومًا موضوعها الحقيقي، كان مجرد المسرح الذي اختاره هوميروس ليتحدث عن شيء آخر أكثر قربًا من كل إنسان، وهو الزمن.


نقرأ الملحمة للمرة الأولى فننشغل بالعواصف والوحوش وغضب الآلهة، ثم نكتشف بعد سنوات أن كل هذه العناصر ليست سوى ضجيج يخفي الخصم الحقيقي. لم يكن بوسيدون هو من أخّر أوديسيوس عشرين عامًا، كان الزمن نفسه. وما إن يصل إلى إيثاكا حتى يتبين أن الرحلة لم تنتهِ، عاد إلى مكان يعرفه، لكن المعرفة نفسها أصبحت قديمة. البيت ما زال قائمًا، والجزيرة ما زالت تحمل الاسم ذاته، إلا أن الزمن أعاد ترتيب كل شيء، حتى الرجل الذي ظن أنه عاد إلى وطنه لم يعد هو الشخص الذي غادره. لهذا قد يصعب أن أتعامل مع الأوديسة كملحمة عن العودة، لأنها على العكس، واحدة من أقسى النصوص التي كُتبت عن استحالة العودة. فالإنسان لا يعود إلى ماضيه، هو يعود إلى حاضر لا ينتظره. وكل ما كان يظنه ثابتًا يتبين أنه عاش في غيابه حياة أخرى. لعل هذا هو السبب الذي يجعل الحنين مؤلمًا إلى هذا الحد؛ لأنه يتعلق بصورة نحملها في ذاكرتنا أكثر مما يتعلق بمكان موجود في العالم.

حين كتب جيمس جويس «عوليس»، لم يكن يعيد سرد هوميروس بملابس حديثة. أدرك أن الأوديسة ليست قصة بحر أصلًا، ولذلك نقلها إلى مدينة، ثم إلى يوم عادي يكاد يخلو من الأحداث. لم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يواجه الأعاصير حتى يشعر بالضياع. يكفي أن يعيش في عالم فقد يقينه، وأن يمضي يومه بين الشوارع التي يعرفها، ليكتشف أنه غريب فيها. تغير شكل التيه، لكن التيه نفسه بقي. وإذا كان جويس قد جرّد الأوديسة من بحرها، فإن قسطنطين كفافيس جرّدها حتى من نهايتها. ففي قصيدته «إيثاكا» تبدو الجزيرة أقل أهمية من الطريق إليها. لأن قيمتها كامنة في قدرتها على دفع الإنسان إلى الحركة. وما إن يصل حتى يدرك أن الرحلة هي التي صنعت المعنى، لا الوصول. ودائما المتعة في الرحلة لا الوصول. هذا المعنى نفسه سيعود عند ميلان كونديرا، ولكن بنبرة أكثر قسوة. ففي عالمه تخوننا الذاكرة. نحن الذين نظل نعيد تشكيل الماضي حتى يصبح أكثر انسجامًا مما كان عليه. ثم نعود إليه، فنفاجأ بأن الواقع لم يكن يشبه الرواية التي كتبناها عنه في أذهاننا.

لهذا السبب لم تتوقف الأوديسة عن إنجاب نصوص جديدة. ليست لأنها عمل كلاسيكي ينبغي الاحتفاء به، لكنها تقدم استعارة يصعب استبدالها. يكفي أن يتغير شكل العالم حتى تجد الملحمة طريقة جديدة لتقول الشيء نفسه. ولهذا رأى بورخيس أن الأدب كله حوار طويل بين الكتب؛ فالنصوص العظيمة تعيش لأنها تستمر في كتابة نصوص أخرى. وكل اقتباس جديد للأوديسة يبدو محاولة لإحياء قصة قديمة. لكن ما يجري في الحقيقة هو العكس، نعيد الحياة إلى هوميروس لأننا نستعير منه لغة نستطيع بها أن نفهم أنفسنا. فالإنسان المعاصر رغم كل ما اختصرته التكنولوجيا من مسافات، لم يصبح أقرب إلى بيته. أو لم يكن بعيدًا عنه كما هو اليوم.


وأعتقد أن سر الأوديسة يكمن في أنها تجعلنا نشك منذ اللحظة الأخيرة في معنى العودة نفسه. فالبيت الذي نغادره لا يبقى في انتظارنا، ونحن أيضًا لا نبقى كما كنا. وما نسميه عودة ليس إلا لقاءً متأخرًا بين مكان تغير، وإنسان تغير، وذاكرة تحاول عبثًا أن تقنعهما بأن شيئًا لم يتبدل.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

في الحاجة إلى غاية 🤺💡 عبير اليوسفي ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب خفيف وجميل بعنوان «بما يؤمن المؤلفون» بترجمة سهيلة رمضان، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المتنوعة، التي تتقاطع رغم اختلاف موضوعاتها، عند أسئلة الأدب والكتابة، وما يجعل الإنسان يمنح نفسه لفكرة أو قضية أو معنى يتجاوز حياته اليومية. وفي نهاية هذه النشرة سأضع بعض التوصيات لقراءات أغسطس أعجبتني. يستفتح الكتاب بمحاضرة لتورغينيف عن دون كيخوته وهاملت، يضع الشخصيتين في مواجهة بدت مواجهة بين شخصيتين أدبيتين متناقضتين، لكنها...

ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟🤔 عبير اليوسفي ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ ماذا يعني أن يقول لنا الذكاء الاصطناعي: «لا أتذكرك»؟ حدث أن عدت إلى محادثة قديمة مع ChatGPT، لأجد أن الطرف الآخر لم يعد يعرفني كما كان. لم ينسَ اسمي أو معلومة عابرة قلتها له، لكنه فقد السياق الذي تراكم عبر عشرات المحادثات. كان عليّ أن أشرح من جديد أشياء بدت لي محسومة، وأن أعيد بناء تاريخ صغير ظننت أنني لا أحتاج إلى شرحه مرة أخرى. أعلم أن الأمر كان ليس أكثر من عطل في الذاكرة، لكن كلمة «الذاكرة» نفسها كانت فجأة أكثر التباسًا مما اعتدت. ماذا...

عن مأزق الأسئلة🫠⁉️ عبير اليوسفي ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ قضيت الأسبوع مشغولة بأمور أخرى بعيدة عن القراءة ومتابعة أخبار الساحة الثقافية، ومع الإرهاق عجزت عن لملمة شتات فكري والتركيز في فكرة تصلح لأن تكون نشرة هذا الأسبوع. قبل يوم من ارسال النشرة، تذكرت أثناء تصفح بريدي الإلكتروني نشرة الصديق عبدالرحمن جابر «للحديث بقية»، التي لم أكمل قراءتها حين وصلتني، وعدت إليها من جديد. كان عبدالرحمن يروي فيها موقفًا حدث له في مقهى. سألته النادلة بالهولندية: «هل تعرف ماذا تريد؟». سؤال عادي لا يخرج عن نطاق اختيار...