هاملت في مرآة كيخوته


في الحاجة إلى غاية 🤺💡

Author

عبير اليوسفي


انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب خفيف وجميل بعنوان «بما يؤمن المؤلفون» بترجمة سهيلة رمضان، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المتنوعة، التي تتقاطع رغم اختلاف موضوعاتها، عند أسئلة الأدب والكتابة، وما يجعل الإنسان يمنح نفسه لفكرة أو قضية أو معنى يتجاوز حياته اليومية. وفي نهاية هذه النشرة سأضع بعض التوصيات لقراءات أغسطس أعجبتني.

يستفتح الكتاب بمحاضرة لتورغينيف عن دون كيخوته وهاملت، يضع الشخصيتين في مواجهة بدت مواجهة بين شخصيتين أدبيتين متناقضتين، لكنها كانت بين طريقتين في الوجود. هاملت يظل قريبًا من نفسه أكثر مما ينبغي؛ يفكر في أفعاله، يشك في دوافعه، يراقب ذاته وهي تفكر وتفعل، حتى يصبح وعيه بنفسه عائقًا أمام الفعل. أما دون كيخوته فيذهب إلى الطرف الآخر تمامًا، رجل خرج من ذاته، أو ربما لم يعد يرى لنفسه قيمة مستقلة عن المهمة التي اختارها. قرأ كتب الفروسية حتى صدّق أن العالم يحتاج إلى فارس، وأن عليه أن يخرج لمحاربة الشر ونصرة المظلومين. ولذلك لا يبدو مهمًا بالنسبة إليه أن يعيش حياة هادئة، أو أن ينشغل بما يحب، أو أن يسأل نفسه ماذا يريد من حياته. وجد شيئًا أكبر من نفسه، وسخّر نفسه له.

تظهر إحدى أكثر الأفكار إثارة في شخصية دون كيخوته بعد قراءة المقال: لماذا لم يكتفِ بأن يعيش لنفسه؟ لماذا لم يبق في بيته يقرأ الكتب التي يحبها، أو يهتم بأرضه، أو يملأ أيامه بما يمنحه قدرًا من المتعة؟

لا يبحث الإنسان دائمًا عن السعادة بالطريقة التي نتخيلها. ثمة لحظة يصبح فيها الاكتفاء بالذات غير كافٍ، ويبدأ المرء في البحث عن شيء يمنح وجوده معنى يتجاوز متعته الشخصية. لم يكن دون كيخوته يبحث عن هواية جديدة، لان بحثه ظل يدور حول سبب يجعل وجوده ضروريًا. هذا الجانب الذي يجعل قراءة تورغينيف له أكثر تعقيدًا من مجرد الاحتفاء بفارس مضحك يركض خلف طواحين الهواء. يرى في دون كيخوته فضيلة أساسية، وهي قدرته على تكريس نفسه لفكرة لا تعود عليه بمنفعة شخصية. لا يحارب الشر لأنه سيحصل على المال أو السلطة أو إعجاب الناس، ولا ينقذ الآخرين لأنه ينتظر منهم أن يردوا له الجميل. يفعل ذلك لأنه يعتقد أن هذا ما ينبغي أن يفعله. وفي هذه الرؤية يصبح دون كيخوته نقيضًا لهاملت. أحدهما يخرج من نفسه نحو العالم، والآخر يعود إلى نفسه في كل مرة يحاول فيها الخروج منها.


لكنني لا أظن أن المسألة تنتهي عند تمجيد دون كيخوته باعتباره الإنسان الذي نسي نفسه من أجل الآخرين. فهناك شيء مقلق في هذه الصورة أيضًا. لأن انشغال الإنسان الدائم بالآخرين ليس بالضرورة علامة على النبل، كما أن نسيان الذات ليس بالضرورة فضيلة، أحيانًا يكون الاهتمام بالآخرين شكلًا من أشكال الهروب من الذات. قد يكون من الأسهل أن أبحث عن شخص أنقذه، أو قضية أدافع عنها، أو مشكلة أحلها، من أن أجلس طويلًا مع حياتي وأسأل نفسي ماذا أريد منها عندما لا يكون هناك أحد يحتاج إليّ.

تبدو شخصية دون كيخوته أكثر مأساوية مما توحي به سخافتها. فهو لا يحتاج فقط إلى أن يكون فارسًا، يحتاج إلى عالم يسمح له بأن يكون فارسًا. ولذلك حين لا يجد الأعداء الذين يبحث عنهم، يخترعهم أو يسيء رؤية الأشياء من حوله. العالم الواقعي في صورته العادية، لا يمنحه الوظيفة التي يريدها لنفسه، وهذا ما جعله يعيد تشكيله حتى يصبح قادرًا على منحه تلك الوظيفة. كأن المشكلة لم تعد في وجود الشر لكن في حاجته هو إلى وجود شر كي يعرف ماذا يفعل بنفسه.

يصبح دون كيخوته قريبًا على نحو غير متوقع، من سؤال معاصر جدًا. فنحن نعيش في زمن يُقال لنا فيه باستمرار أن علينا أن «نعيش لأنفسنا». لا تعش لإرضاء الآخرين، اختر نفسك، ضع حدودك، لا تجعل حياتك رهينة توقعات الناس، افعل ما تحب. وهذه النصائح جاءت في جانب كبير منها، كرد فعل ضروري على حياة كان الإنسان فيها مطالبًا بأن يؤدي أدوارًا فُرضت عليه، وأن يقيس قيمته بمدى نفعه للآخرين. أن تعيش لنفسك يعني أن تستعيد حقك في أن تكون صاحب حياتك، لا أن تجعل الآخرين مركزًا دائمًا لقراراتك.


لكن «عِش لنفسك» قد تتحول هي الأخرى إلى شعار ناقص إذا فهمناها كدعوة إلى جعل الذات مركزًا وحيدًا للوجود. فالإنسان لا يعيش بالمتعة وحدها، ولا تكفيه دائمًا الحرية إذا لم يجد شيئًا يضع هذه الحرية في خدمته. قد يستطيع المرء أن يختار عمله، ومكانه، وعلاقاته، ووقته، وأن يتخلص من إرضاء الآخرين، ثم يكتشف بعد كل ذلك أنه لا يعرف لماذا يعيش. التخلص من القيود لا ينتج تلقائيًا معنى، وأعتقد أن المقارنة بين «عِش لنفسك» و«عِش للآخرين» مضللة من أساسها. فالمشكلة ليست في أن يعيش الإنسان لنفسه أو للآخرين، لكن في أن يعرف ما الذي يختاره بنفسه ليمنح حياته له.

لا أرى أن دون كيخوته هو نقيض فكرة «عش لنفسك» تمامًا. فهو لم يخرج من بيته لأن الآخرين طلبوا منه ذلك، ولم يصبح فارسًا إرضاءً لأحد. لقد اختار وفق تصوره الخاص للعالم، أن يكون شخصًا يخدم فكرة يؤمن بها. مشكلته أنه لم يستطع أن يتخيل نفسه خارج الدور الذي اختاره. أصبح الدور أقوى من الشخص، حتى لم يعد هناك «دون كيخوته» يمكن أن يعيش حياة أخرى.


ماذا يبقى من الإنسان حين لا يعود أحد بحاجة إليه؟


بعض الناس يخافون هذا السؤال أكثر مما يخافون الفشل. لأن الحاجة إليهم تمنحهم شعورًا بالقيمة؛ أن يكون هناك من ينتظرهم، أو مشكلة لا تحل إلا بوجودهم، أو قضية تحتاج إلى دفاعهم، شيء يجعل حياتهم تبدو ضرورية، لكن الحياة لا تضمن لنا دائمًا هذا الشعور. يأتي وقت لا يحتاج فيه أحد إلى إنقاذنا لأحد، ولا تكون هناك معركة تستحق أن نخوضها، ولا قضية كبرى يمكن أن نختبئ خلفها. عندها نواجه أنفسنا بلا وظيفة اجتماعية ولا بطولة ولا دور، وربما يكون هذا ما لا يستطيع دون كيخوته مواجهته. إنه لا يعرف كيف يكون رجلًا عاديًا، يحتاج إلى أن يكون فارسًا لأن الفارس له غاية واضحة، بينما الرجل العادي عليه أن يخترع معنى أيامه بنفسه. ومن هذه الزاوية يمكن أن تبدو مغامراته كلها محاولة للهروب من عادية الحياة.

لكن، هناك خطرًا آخر في الطرف المقابل أيضًا، أن يظل الإنسان منشغلًا بنفسه إلى الحد الذي لا يعود فيه قادرًا على رؤية شيء خارجها. هاملت في قراءة تورغينيف، يوضح هذا الخطر، الوعي بالذات حين يتحول إلى دوران لا ينتهي حول النفس، وحين يصبح كل فعل موضوعًا للتحليل قبل أن يحدث، يمكن أن يشل الإنسان.

ليست قيمة الإنسان في مقدار ما ينسى نفسه، ولا في مقدار ما يضع نفسه أولًا. قد تكون القيمة في أن يستطيع أن يفعل الأمرين في الوقت المناسب. أن يعود إلى نفسه حين يحتاج إلى أن يحمي حياته من استنزاف الآخرين، وأن يخرج منها حين يجد شيئًا يستحق أن يمنحه وقته واهتمامه. أن يعيش لنفسه بما يكفي كي لا يصبح تابعًا، وأن يعيش لشيء أكبر من نفسه بما يكفي كي لا يصبح سجينه.

دون كيخوته أخطأ حين جعل الفروسية شرطًا لوجوده، لكننا قد نخطئ أيضًا حين نجعل «نفسي أولًا» نهاية كل الأسئلة. بين الاثنين توجد حياة أكثر صعوبة، أن تكون لك ذات تعرفها وتحميها، ثم أن تختار بحرية شيئًا يستحق أن تتجاوزها من أجله.


•توصيات ظلال📖:

أترك هنا بعض الكتب التي رافقتني في أغسطس وأعجبتني، على أمل أن يجد كل واحد منها طريقه إلى قارئ آخر📚.

يقدّم العمل تصورًا متخيلًا أشبه بمائدة تجمع أدباء من عصور وخلفيات أدبية مختلفة، من تورجنيف وآرثر كونان دويل إلى ويليام ليون فلبس ووالت ويتمان وغيرهم..

قبل أسابيع أعلنت نتفليكس عن عرض مسلسل مقتبس من رواية حون شتاينبك «شرقي عدن» وقبل العرض في أكتوبر كان لابد من الرجوع للرواية وقراءتها. تستلهم الرواية قصة قابيل وهابيل من سفر التكوين، لتعيد صياغتها في ملحمة تدور في وادي ساليناس بولاية كاليفورنيا بين أواخر القرن التاسع عشر ونهاية الحرب العالمية الأولى…

تتحدث رواية طارق إمام حول شخصية "ألكسندر سينجوبوليس"، الذي يكتب في السر رواية سيرية عن الشاعر كفافيس في أيامه الأخيرة في الإسكندرية، والذي يقرأ المخطوطة سرًا ويبدأ بالتدخل والتعديل في سيرته.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟🤔 عبير اليوسفي ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ ماذا يعني أن يقول لنا الذكاء الاصطناعي: «لا أتذكرك»؟ حدث أن عدت إلى محادثة قديمة مع ChatGPT، لأجد أن الطرف الآخر لم يعد يعرفني كما كان. لم ينسَ اسمي أو معلومة عابرة قلتها له، لكنه فقد السياق الذي تراكم عبر عشرات المحادثات. كان عليّ أن أشرح من جديد أشياء بدت لي محسومة، وأن أعيد بناء تاريخ صغير ظننت أنني لا أحتاج إلى شرحه مرة أخرى. أعلم أن الأمر كان ليس أكثر من عطل في الذاكرة، لكن كلمة «الذاكرة» نفسها كانت فجأة أكثر التباسًا مما اعتدت. ماذا...

عن مأزق الأسئلة🫠⁉️ عبير اليوسفي ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ قضيت الأسبوع مشغولة بأمور أخرى بعيدة عن القراءة ومتابعة أخبار الساحة الثقافية، ومع الإرهاق عجزت عن لملمة شتات فكري والتركيز في فكرة تصلح لأن تكون نشرة هذا الأسبوع. قبل يوم من ارسال النشرة، تذكرت أثناء تصفح بريدي الإلكتروني نشرة الصديق عبدالرحمن جابر «للحديث بقية»، التي لم أكمل قراءتها حين وصلتني، وعدت إليها من جديد. كان عبدالرحمن يروي فيها موقفًا حدث له في مقهى. سألته النادلة بالهولندية: «هل تعرف ماذا تريد؟». سؤال عادي لا يخرج عن نطاق اختيار...

من الأرنب إلى أورويل🐰 عبير اليوسفي ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ عندما رغب الإنسان في التعبير عن ذاته، لجأ مرارًا إلى استنطاق الحيوانات، مضفيًا عليها طباعًا بشرية مألوفة كالغرور والدهاء والتمهل. وبعيدًا عن أن يكون هذا التوجه عفويًا أو لمجرد تخفيف وطأة القصة، كان توظيف الحيوان أدبيًا يمنح الكاتب مساحة لتجريد السلوك الإنساني من واقعه المباشر، ليعيد تقديمه للقارئ في قالب مجازي يسهل تأمله ونقده من مسافة آمنة. في نشأتها الأولى، لم تكن الخرافة أو الحكاية الرمزية مجرد أدب موجه للأطفال كما استقر عليه الحال لاحقًا،...