عن مأزق الأسئلة🫠⁉️
عبير اليوسفي
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
قضيت الأسبوع مشغولة بأمور أخرى بعيدة عن القراءة ومتابعة أخبار الساحة الثقافية، ومع الإرهاق عجزت عن لملمة شتات فكري والتركيز في فكرة تصلح لأن تكون نشرة هذا الأسبوع. قبل يوم من ارسال النشرة، تذكرت أثناء تصفح بريدي الإلكتروني نشرة الصديق عبدالرحمن جابر «للحديث بقية»، التي لم أكمل قراءتها حين وصلتني، وعدت إليها من جديد.
كان عبدالرحمن يروي فيها موقفًا حدث له في مقهى. سألته النادلة بالهولندية: «هل تعرف ماذا تريد؟». سؤال عادي لا يخرج عن نطاق اختيار مشروب، لكنه لم يأخذه بهذه البساطة. أخذ السؤال إلى معناه الفلسفي: هل يعرف الإنسان فعلًا ماذا يريد؟ وهل يمكن أن يختصر رغباته ومساراته في إجابة واحدة؟.
من هناك انتقل إلى عمله في التصميم، وشركته الناشئة، واهتمامه بالفن، ثم إلى المسافة بين معرفة الاتجاه ومعرفة الطريق. كان السؤال الذي طرحته النادلة عن القهوة قد تحول في ذهنه إلى سؤال عن الحياة نفسها. وفي نهاية كل ذلك، عاد إلى الطاولة وإلى السؤال بصورته الأولى: طلب كابتشينو كبيرًا بحليب الشوفان.
بعد قراءة نشرته خطر لي سؤالًا كثيرًا ما أسمعه بعد انقطاع عن الأصدقاء: «ما جديدك؟».
لا أعرف تحديداً متى أصبح هذا السؤال يربكني. لكن تمضي أشهر أو سنة منذ آخر لقاء، ثم نلتقي، وبعدها تأتي لحظة الاختبار: «ما جديدك؟». في تلك اللحظة أشعر ولو لثوانٍ، أن عليّ أن أستخرج من الفترة الماضية ما يثبت أن شيئًا حدث. عمل جديد، مشروع، سفر، قرار، إنجاز، أو حتى أزمة تصلح لأن تروى كتجربة. كأنني مطالبة بأن أقدم للآخر سجلًا غير مختصرًا لما فعله الزمن بي منذ آخر مرة رآني فيها.
ثم يصبح السؤال من حيث لا يقصد، مستندًا إلى تصور محدد للحياة، وهو أن الزمن ينبغي أن ينتج تغييرًا، وأن التغيير ينبغي أن يكون قابلًا للرصد والحكي. فإذا مرت سنة، فمن المفترض أن يكون هناك شيء جديد. وإذا لم يكن هناك، فإنك تقف أمام احتمال محرجًا وهو : ماذا فعلت بكل هذا الوقت؟.
هذه الفكرة، أصبحت جزءًا راسخًا من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. فالحياة الحديثة تُقدَّم لنا كمشروعًا ينبغي أن يتقدم باستمرار، نتعلم ثم نعمل، نعمل ثم نترقى، نبدأ مشروعًا ثم نطوره، نكتسب خبرة ثم ننتقل إلى مستوى آخر. حتى السكون لا يُقبل بسهولة، إلا إذا أمكن تفسيره باعتباره مرحلة مؤقتة في طريق التقدم.
لكن على الضفة الأخرى من النهر، قد لا يكون الزمن سيرة مهنية، ولا يتقدم الإنسان فيه بالطريقة التي تتقدم بها السنوات في التقويم. كمثال صارخ على ذلك، تحضرني الآن سيرة حياة الشاعرة إميلي ديكنسون، لو قرأناها وفق معيار الإنجاز والحركة الذي يحكم تصورنا المعاصر، فلن تبدو سيرة استثنائية. كانت تعيش عزلة طويلة، حياة اجتماعية محدودة، ونشر قليل جدًا في حياتها. لكن الأدب الذي خرج من هذه الحياة لا يمكن فهمه كحياة متوقفة. لأن ما لم يحدث في الخارج لا يعني أن شيئًا لم يكن يحدث في الداخل.
كافكا أيضا الذي لم يعش ليشهد الصورة الأدبية التي استقرت له لاحقًا. كان موظف في مؤسسة للتأمين، يكتب في أوقات متقطعة، ويتعامل مع عدد كبير من أعماله باعتبارها نصوصًا لم تبلغ صورتها النهائية. إذا كان سؤال «ما جديدك؟» يقيس الإنسان بما يستطيع أن يقدمه من نتائج ظاهرة، فإن حياة كافكا تقدم نموذجًا مربكًا لهذا المقياس، وأن ما يبدو قليلًا في سيرة صاحبه قد يصبح بعد موته، جزءًا من تاريخ الأدب.
ليست المشكلة إذن في أن السؤال يفترض أن ما يستحق الاعتبار هو ما يمكن الإعلان عنه. لكن الجديد وفق هذا المنطق هو ما يمكن تحويله إلى خبر. أما التفكير الطويل، والتردد، أو إعادة النظر، التخلي عن رغبة قديمة، فلا تدخل بسهولة في الحساب.
المهم، لا أملك إجابة ثابتة أمام ما الجديد؟، لكنني أعرف أن مرور الوقت وحده ليس إنجازًا، وأن عدم امتلاك خبر جديد لا يعني بالضرورة أن شيئًا لم يحدث. لأنه ليس كل ثبات أو سكون علامة على أننا لم نتقدم.