سيرة ما لم يحدث!


عن مأزق الأسئلة🫠⁉️

Author

عبير اليوسفي

قضيت الأسبوع مشغولة بأمور أخرى بعيدة عن القراءة ومتابعة أخبار الساحة الثقافية، ومع الإرهاق عجزت عن لملمة شتات فكري والتركيز في فكرة تصلح لأن تكون نشرة هذا الأسبوع. قبل يوم من ارسال النشرة، تذكرت أثناء تصفح بريدي الإلكتروني نشرة الصديق عبدالرحمن جابر «للحديث بقية»، التي لم أكمل قراءتها حين وصلتني، وعدت إليها من جديد.

كان عبدالرحمن يروي فيها موقفًا حدث له في مقهى. سألته النادلة بالهولندية: «هل تعرف ماذا تريد؟». سؤال عادي لا يخرج عن نطاق اختيار مشروب، لكنه لم يأخذه بهذه البساطة. أخذ السؤال إلى معناه الفلسفي: هل يعرف الإنسان فعلًا ماذا يريد؟ وهل يمكن أن يختصر رغباته ومساراته في إجابة واحدة؟.

من هناك انتقل إلى عمله في التصميم، وشركته الناشئة، واهتمامه بالفن، ثم إلى المسافة بين معرفة الاتجاه ومعرفة الطريق. كان السؤال الذي طرحته النادلة عن القهوة قد تحول في ذهنه إلى سؤال عن الحياة نفسها. وفي نهاية كل ذلك، عاد إلى الطاولة وإلى السؤال بصورته الأولى: طلب كابتشينو كبيرًا بحليب الشوفان.

بعد قراءة نشرته خطر لي سؤالًا كثيرًا ما أسمعه بعد انقطاع عن الأصدقاء: «ما جديدك؟».

لا أعرف تحديداً متى أصبح هذا السؤال يربكني. لكن تمضي أشهر أو سنة منذ آخر لقاء، ثم نلتقي، وبعدها تأتي لحظة الاختبار: «ما جديدك؟». في تلك اللحظة أشعر ولو لثوانٍ، أن عليّ أن أستخرج من الفترة الماضية ما يثبت أن شيئًا حدث. عمل جديد، مشروع، سفر، قرار، إنجاز، أو حتى أزمة تصلح لأن تروى كتجربة. كأنني مطالبة بأن أقدم للآخر سجلًا غير مختصرًا لما فعله الزمن بي منذ آخر مرة رآني فيها.

ثم يصبح السؤال من حيث لا يقصد، مستندًا إلى تصور محدد للحياة، وهو أن الزمن ينبغي أن ينتج تغييرًا، وأن التغيير ينبغي أن يكون قابلًا للرصد والحكي. فإذا مرت سنة، فمن المفترض أن يكون هناك شيء جديد. وإذا لم يكن هناك، فإنك تقف أمام احتمال محرجًا وهو : ماذا فعلت بكل هذا الوقت؟.

هذه الفكرة، أصبحت جزءًا راسخًا من الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. فالحياة الحديثة تُقدَّم لنا كمشروعًا ينبغي أن يتقدم باستمرار، نتعلم ثم نعمل، نعمل ثم نترقى، نبدأ مشروعًا ثم نطوره، نكتسب خبرة ثم ننتقل إلى مستوى آخر. حتى السكون لا يُقبل بسهولة، إلا إذا أمكن تفسيره باعتباره مرحلة مؤقتة في طريق التقدم.

لكن على الضفة الأخرى من النهر، قد لا يكون الزمن سيرة مهنية، ولا يتقدم الإنسان فيه بالطريقة التي تتقدم بها السنوات في التقويم. كمثال صارخ على ذلك، تحضرني الآن سيرة حياة الشاعرة إميلي ديكنسون، لو قرأناها وفق معيار الإنجاز والحركة الذي يحكم تصورنا المعاصر، فلن تبدو سيرة استثنائية. كانت تعيش عزلة طويلة، حياة اجتماعية محدودة، ونشر قليل جدًا في حياتها. لكن الأدب الذي خرج من هذه الحياة لا يمكن فهمه كحياة متوقفة. لأن ما لم يحدث في الخارج لا يعني أن شيئًا لم يكن يحدث في الداخل.

كافكا أيضا الذي لم يعش ليشهد الصورة الأدبية التي استقرت له لاحقًا. كان موظف في مؤسسة للتأمين، يكتب في أوقات متقطعة، ويتعامل مع عدد كبير من أعماله باعتبارها نصوصًا لم تبلغ صورتها النهائية. إذا كان سؤال «ما جديدك؟» يقيس الإنسان بما يستطيع أن يقدمه من نتائج ظاهرة، فإن حياة كافكا تقدم نموذجًا مربكًا لهذا المقياس، وأن ما يبدو قليلًا في سيرة صاحبه قد يصبح بعد موته، جزءًا من تاريخ الأدب.

ليست المشكلة إذن في أن السؤال يفترض أن ما يستحق الاعتبار هو ما يمكن الإعلان عنه. لكن الجديد وفق هذا المنطق هو ما يمكن تحويله إلى خبر. أما التفكير الطويل، والتردد، أو إعادة النظر، التخلي عن رغبة قديمة، فلا تدخل بسهولة في الحساب.

المهم، لا أملك إجابة ثابتة أمام ما الجديد؟، لكنني أعرف أن مرور الوقت وحده ليس إنجازًا، وأن عدم امتلاك خبر جديد لا يعني بالضرورة أن شيئًا لم يحدث. لأنه ليس كل ثبات أو سكون علامة على أننا لم نتقدم.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

من الأرنب إلى أورويل🐰 عبير اليوسفي ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ عندما رغب الإنسان في التعبير عن ذاته، لجأ مرارًا إلى استنطاق الحيوانات، مضفيًا عليها طباعًا بشرية مألوفة كالغرور والدهاء والتمهل. وبعيدًا عن أن يكون هذا التوجه عفويًا أو لمجرد تخفيف وطأة القصة، كان توظيف الحيوان أدبيًا يمنح الكاتب مساحة لتجريد السلوك الإنساني من واقعه المباشر، ليعيد تقديمه للقارئ في قالب مجازي يسهل تأمله ونقده من مسافة آمنة. في نشأتها الأولى، لم تكن الخرافة أو الحكاية الرمزية مجرد أدب موجه للأطفال كما استقر عليه الحال لاحقًا،...

عن السؤال الفيروزي 📻🎵 عبير اليوسفي ٥ أغسطس ٢٠٢٦ يصعب أن تمر أغنية فيروز «كيفك أنت؟» من دون أن يتوقف السامع عند السؤال الذي يحملها.. سؤال يتكون من كلمتين فقط، لكنه أكبر من كونه افتتاحًا لحوار عابر. فمنذ صدور الأغنية ظل الناس يدندنونه كما لو أنه جزء من ذاكرتهم اليومية، مع أن أحدًا لا ينتظر منه جوابًا كاملًا. فالإجابة الحقيقية عن سؤال كهذا لا يمكن اختصارها في جملة، لأن المقصود منه كان فتح باب الحضور من جديد. هذا ما يجعل سؤال فيروز واحدًا من أكثر الأسئلة رسوخًا في التجربة الإنسانية. فهو يتكرر في...

حتى لا يصدأ النظر 🪄 عبير اليوسفي ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ في حياتنا اليومية تبتلعنا عادة الألفة، نمر على الأشياء والأصوات والمشاعر دون أن نراها حقًا، لأن العقل بطبعه يميل إلى تصنيف المألوف واختزاله ليوفر طاقته. فيضع كل ما هو مكرر داخل إطار الاعتياد البارد. تصبح الدهشة عملية إنقاذ مستمرة لأرواحنا من سكتة الألفة، ونزع الغبار عن حواسنا لنرى العالم وكأننا نطالع نوره للوهلة الأولى. يمتلك الفن هذه القدرة الفريدة على إيقاظ الدهشة. فاللحن الذي سمعناه عشرات المرات، أو الرواية التي نعود إليها بعد سنوات، لا يقدمان...