مرحبًا..أنا عبير


خارج مسرح الطمأنينة 🎭 💭

Author

عبير اليوسفي

أن تعيش، يعني في جدارة ما أن تتدرب على تغيير قياسات العبء.

هناك ينبوع هادئ يُولد فيه المرء، يستند فيه على يقين مبدئي بأن العالم أرض مسطحة وآمنة، وأن الخيارات تُشبه رفوفًا ممتدة في مكتبة عامة، عليك فقط أن تمد يدك لتختار مسارك. ولسنوات كانت الحياة تُقاس بهذه المسافة. الخطوة تتبعها خطوة، والجامعة يتبعها عمل، والرفاهية ليست رفاهية بالمعنى المادي الصرف، لكن في ذلك الأمان الضمني بأن الغد سيكون امتدادًا منطقيًا لليوم، وأن الزمن خطٌّ صاعدٌ نحو الأمام. ثم يحدث الاقتلاع، وليس باقتلاع شجرة من جذورها، لكن بنقلها فجأة لِتُغرس في صخرة.

حين عدتُ للإستقرار في اليمن، كانت العودة صدامًا مباشرًا مع معنى الوجود. أن تنتقل من هامش الأمان إلى قلب العاصفة، يعني أن تتجرد في لحظة واحدة من كل العدسات المكبرة التي كنت ترى بها العالم. لا تُقاس الحياة هنا بالخطط الخمسية ولا بالفرص المتاحة، تجد أنها تقاس بمدى قدرتك على صيانة كرامتك الداخلية وسط هشاشة كل شيء حولك. يتغير حتى مفهوم الزمن، ينكمش من المستقبل الممتد ليصير مواجهة يومية خشنة مع اللحظة الحاضرة.

ولا يمنحك المكان رفاهية المسافة، يصدمك بكل طبقات المجتمع في يوم واحد. ترى الخوف في عيون العابرين، تلمس آلامًا غير مرممة، وتتشارك مع الجميع الهواء نفسه المترسّب بالقلق والتعب. تتآكل المفاهيم القديمة، وتتساقط المصطلحات التي تعلمناها في الصحافة. مفاهيم مثل التأثير، التغيير، والموضوعية، تبدو كمجسمات شمعية تذوب أمام حرارة الواقع العاري. والشغف الذي كنا نتحدث عنه كشرط أساسي للإنجاز، يتحول فجأة إلى ترف نظرِي. كيف تحتفظ بشغفك بينما العالم حولك يُعيد تعريف البقاء كل صباح؟.


خبرتُ هنا كل أشكال الانهيار الصامت. أن تستيقظ ومعك شهادتك وحصيلتك الثقافية ورغبتك في التأثير، لِتجد نفسك أمام أفق مغلق وفرص عمل لا تُشبه ما حلمت به، وأزمات ثقافية تجعلك تتساءل: لمن أكتب؟ ولماذا أفكر؟ وهل للكلمة وزن؟. يواجه المرء في مثل هذه الظروف خطرًا أشد ضراوة من الأزمة نفسها، خطر الألْفَة. أن تعتاد المشهد، أن يتخدر حسّك التأملي، وأن تتحول الفوضى إلى خلفية طبيعية ليومك. تخوض معركتك اليومية في رفض هذا التخدير، في أن تظل تشعر بوطأة الغرابة، وأن تظل الكارثة تدق على وعيك كشيئًا لا ينبغي التكيف معه أو قبول مجرياته كأمر واقع. وقد يرى الآخر أن الفلسفة الحقيقية تبدأ الآن، في نقطة الصفر هذه حين تعيش بوعيين متضادين، وعي من عرف الشساعة بالأمس، ووعي من يختبر الصلابة في المأزق اليوم.

كتب ألبير كامو ذات يوم أن المسرح الذي نؤدي عليه أدوارنا اليومية قد يتداعى في أية لحظة، لنستيقظ فجأة أمام الوجود في صورته العارية، بلا مساحيق وبلا طمأنينة مسبقة. وعلى نحوٍ ما، فإن انتزاع الطمأنينة منك قد يمنحك النظر بوضوح حاد لا يملكه من لا يزالون يمتلكون رفاهيتها. حتى في التحولات الكبرى، الاقتلاع قد يضعنا أمام المواجهة الحقيقية، وحين لا تعود البيئة من حولك تقدم لك أجوبة جاهزة أو ضمانات للغد، تغدو مسؤولاً عن ابتكار معناك الخاص من لا شيء. تصبح التساؤلات حينها مرتبطة بما نتبناه في داخلنا ونحن نعبر هذا الضيق. ونحتاج إلى وقائع صغيرة جدًا لنستدل على أننا ما زلنا هنا -كما يقول بسام حجار-.


مرحبًا، أنا عبير.. ليست معي ورقة نصح، ولا تسوية جيدة مع المأزق، ولا نجاة مكتملة أو بطولة زائفة. كانت محاولة للاستدلال على نسختي الحالية من هذا الوجود…وحين يضيق الجدار، لا يعود أمام المرء إلا التراجع إلى المساحة الوحيدة التي لا يمكن مصادرتها..


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

كيف يصبح القتل فكرة؟ 💣🗡️ Homecoming 1936 By: Hans Adolf Bühler عبير اليوسفي ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ قبل أيام بدأت قراءة رواية «وحيدًا يموت الإنسان» لهانس فالادا، رواية ألمانية تدور أحداثها في برلين النازية، وتبدأ بمشهد وصول خبر إلى عائلة جفانجل بمقتل ابنهما الوحيد على الجبهة. في بداية الفصل الثاني، وبينما كنت أقرأ وأتناول الفطور، فاجأني من خارج الصفحة صوت انفجار لم أعرف مصدره، وللحظة لم أعد أعرف أي الحربين ينبغي أن أصغي إليها. كان في الأمر شيء مربك أن تقرأ عن حرب انتهت منذ عقود، ثم يأتي صوت من الخارج...

في الحاجة إلى غاية 🤺💡 عبير اليوسفي ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب خفيف وجميل بعنوان «بما يؤمن المؤلفون» بترجمة سهيلة رمضان، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المتنوعة، التي تتقاطع رغم اختلاف موضوعاتها، عند أسئلة الأدب والكتابة، وما يجعل الإنسان يمنح نفسه لفكرة أو قضية أو معنى يتجاوز حياته اليومية. وفي نهاية هذه النشرة سأضع بعض التوصيات لقراءات أغسطس أعجبتني. يستفتح الكتاب بمحاضرة لتورغينيف عن دون كيخوته وهاملت، يضع الشخصيتين في مواجهة بدت مواجهة بين شخصيتين أدبيتين متناقضتين، لكنها...

ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟🤔 عبير اليوسفي ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ ماذا يعني أن يقول لنا الذكاء الاصطناعي: «لا أتذكرك»؟ حدث أن عدت إلى محادثة قديمة مع ChatGPT، لأجد أن الطرف الآخر لم يعد يعرفني كما كان. لم ينسَ اسمي أو معلومة عابرة قلتها له، لكنه فقد السياق الذي تراكم عبر عشرات المحادثات. كان عليّ أن أشرح من جديد أشياء بدت لي محسومة، وأن أعيد بناء تاريخ صغير ظننت أنني لا أحتاج إلى شرحه مرة أخرى. أعلم أن الأمر كان ليس أكثر من عطل في الذاكرة، لكن كلمة «الذاكرة» نفسها كانت فجأة أكثر التباسًا مما اعتدت. ماذا...