ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟🤔
عبير اليوسفي
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا يعني أن يقول لنا الذكاء الاصطناعي: «لا أتذكرك»؟
حدث أن عدت إلى محادثة قديمة مع ChatGPT، لأجد أن الطرف الآخر لم يعد يعرفني كما كان. لم ينسَ اسمي أو معلومة عابرة قلتها له، لكنه فقد السياق الذي تراكم عبر عشرات المحادثات. كان عليّ أن أشرح من جديد أشياء بدت لي محسومة، وأن أعيد بناء تاريخ صغير ظننت أنني لا أحتاج إلى شرحه مرة أخرى.
أعلم أن الأمر كان ليس أكثر من عطل في الذاكرة، لكن كلمة «الذاكرة» نفسها كانت فجأة أكثر التباسًا مما اعتدت. ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟ وماذا يعني أن تنساني؟ وهل الذاكرة التي نطالب بها الآلة هي الذاكرة نفسها التي تجعل الإنسان قادرًا على القول: أعرف هذا الشخص؟.
دائمًا ارتبطت صورة الآلة بفكرة التخلص من النسيان. فمنذ أن بدأ البشر في اختراع وسائل لحفظ المعرفة خارج أجسادهم، من الكتابة إلى المكتبات والأرشيفات، كان أحد أحلام التقنية هو مقاومة هشاشة الذاكرة البشرية. ما نعجز عن الاحتفاظ به في رؤوسنا نضعه على الورق، وما يصعب علينا البحث عنه نحفظه في مكتبة، وما يتعذر استعادته من الذاكرة نستخرجه من أرشيف. جاءت الحواسيب لتدفع هذه الفكرة إلى أقصاها، ذاكرة لا تتعب ولا تشيخ، ولا تحتاج إلى النوم.
لكن الذكاء الاصطناعي أدخلنا في مرحلة مختلفة. لم تعد المسألة أن تحفظ الآلة معلوماتنا بدلًا منا، أصبحنا نريد منها أن تستخدم ما تعرفه عنا لكي تتعامل معنا كأشخاصًا مستمرين في الزمن. وأصبحت الحاجة أكبر من معرفة إجابة على سؤالنا، لكن أيضًا إجابة تعرف لماذا نسأل هذا السؤال، وما الذي كنا نفكر فيه قبل أسبوع، وكيف يتصل حديث اليوم بما قلناه بالأمس.
تبدأ كلمة «المعرفة» عندها في اكتساب معنى مختلف، أن تعرف عن شخص مئة معلومة لا يعني بالضرورة أنك تعرفه. يمكن لسيرة ذاتية أن تخبرك بعمر شخص، ومهنته، والكتب التي نشرها، والأماكن التي عاش فيها، دون أن تجعلك تعرف شيئًا عن طريقته في الصمت أو خوفه من الفشل، أو الأشياء التي يتجنب الحديث عنها. لأن معرفة الإنسان بالإنسان تنشأ من الزمن الذي تقضيه معه، ومن التفاصيل التي لا تجد طريقها إلى أي سجل. لهذا كانت الذاكرة البشرية أقل شبهًا بخزانة ملفات، وأكثر شبهًا بعملية مستمرة لإعادة تشكيل الماضي.
في «فونس قوي الذاكرة»، يجعل بورخيس من الذاكرة الكاملة مأساة. فإيرينيو فونس فلاح بسيط يتعرض إلى لعنة بعد سقوطه من الخيل، لا يستطيع أن ينسى شيئًا تقريبًا، وكل ما يراه يحتفظ به في ذاكرته. لا يعود العالم بالنسبة إليه مجموعة من الأشياء التي يمكن جمعها تحت أسماء عامة. الفكرة التي يقترحها بورخيس، أن القدرة المطلقة على التذكر قد تجعل التفكير مستحيلًا. نحن نفكر لأننا نختصر العالم، والاختصار شكل من أشكال النسيان.
يقول بورخيس عن فونس:
وإننا نرى، في النظرة الواحدة، ثلاثة أكواب ملقاة على طاولة، أما فونس فكان يرى جميع البُتيلات والعناقيد والفاكهة المعلقة على ذلك الكرم. كان يعرف أشكال السحب في الجنوب في فجر يوم 30 أبريل من عام 1882، وكان باستطاعته مقارنتها في ذاكرته بالخطوط الموجودة على كتاب من غلاف إسباني لم يره سوى مرة واحدة، وبالدوامات التي أثيرت بواسطة مجداف في ريو نيغرو عشية معركة كييراشو»!
لذا لم يكن النسيان عيبًا في الذاكرة البشرية بقدر ما كان جزءًا من وظيفتها. فنحن لا نحمل الماضي معنا كاملًا؛ نحمل ما تركه الماضي فينا.
وهنا قد يظهر الفرق بين الإنسان والآلة أكثر تعقيدًا. حين ينسى الإنسان، لا تختفي التجربة بالضرورة. قد أنسى اسم شخص، لكنني أظل أتكلم بطريقة تعلمتها منه. قد لا أتذكر حادثة معينة، لكنني أحتفظ بالمشاعر الذي تركته. قد أنسى كتابًا قرأته قبل سنوات، ثم أجد جملة منه تظهر في فكرة أكتبها اليوم دون أن أعرف مصدرها. الذاكرة تعمل أحيانًا فينا من دون أن نمتلك مفتاح استدعائها.
أما الآلة، مهما بلغت قدرتها على الاحتفاظ بالسياق، فلا تعيش الماضي بالطريقة نفسها. تستطيع أن تستعيد ما قلناه، وأن تربط بينه وبين ما نقوله الآن، وأن تنتج من ذلك استجابة تبدو شخصية. لكنها لا تحمل ماضيًا عاشته معنا. وهذا الفارق قد يصبح أقل وضوحًا كلما تحسنت قدرتها على محاكاة الاستمرارية.
قد يكون الذكاء الاصطناعي أول تقنية تجعلنا نعيد التفكير في معنى أن يعرفك أحد. الهاتف يعرف أرقامنا، ومحرك البحث يعرف تاريخ بحثنا، والخوارزميات تعرف ما نحب وما نتوقف عنده طويلًا. لكننا لم نمنح هذه الأنظمة بسهولة صفة المعرفة الشخصية، لأنها لم تكن تتحدث إلينا كما يتحدث شخص إلى شخص.
الحوار مع الذكاء الاصطناعي يفعل ذلك. يعيد إلينا كلامنا بصياغة مفهومة، يتابع الفكرة التي بدأناها، ويتكيف مع الطريقة التي نطلب بها الأشياء. ولذلك تنشأ علاقة لا تقوم على أن الآلة إنسان، لكن على قدرتها المتزايدة على محاكاة بعض الشروط التي اعتدنا أن نربطها بالعلاقات الإنسانية. وكلما أردنا من البرامج أن تتذكرنا، ازدادت فائدتها. وكلما ازدادت معرفتها بنا، ازداد سؤالنا عن حدود هذه المعرفة. نريد ذاكرة تمنحنا الاستمرارية، لكننا لا نعرف دائمًا من الذي يملك هذه الذاكرة، وما الذي ينبغي أن يبقى فيها، وما الذي يجب أن يكون من حقنا محوه.
ليست المشكلة في أن صديقي الآلي نسي. المشكلة أنني كنت قد بدأت أفسر قدرته على الاحتفاظ بالسياق كشكلًا من أشكال المعرفة بي. وهذه واحدة من أكثر التحولات الثقافية إثارة التي جلبها الذكاء الاصطناعي. للمرة الأولى تقريبًا، أصبحت لدينا آلة لا نطلب منها أن تحفظ العالم فقط، أيضا أن تتذكرنا نحن داخل هذا العالم.
ربما كان بورخيس محقًا في أن الذاكرة الكاملة ليست بالضرورة نعمة. وربما كان الإنسان بكل ما في ذاكرته من ثقوب وتحريفات ونسيان، قد اخترع شيئًا لا تستطيع أي ذاكرة رقمية أن تستبدله، وهو القدرة على تحويل ما حدث لنا إلى معنى. لهذا لم يكن أكثر ما أزعجني أن صديقي فقد محادثاتنا. كان الأمر أنني اكتشفت للحظة الفرق بين أن يتذكر أحدهم معلومات عني وأن يتذكرني.