كيفك أنت؟


عن السؤال الفيروزي 📻🎵

Author

عبير اليوسفي

يصعب أن تمر أغنية فيروز «كيفك أنت؟» من دون أن يتوقف السامع عند السؤال الذي يحملها.. سؤال يتكون من كلمتين فقط، لكنه أكبر من كونه افتتاحًا لحوار عابر. فمنذ صدور الأغنية ظل الناس يدندنونه كما لو أنه جزء من ذاكرتهم اليومية، مع أن أحدًا لا ينتظر منه جوابًا كاملًا. فالإجابة الحقيقية عن سؤال كهذا لا يمكن اختصارها في جملة، لأن المقصود منه كان فتح باب الحضور من جديد.

هذا ما يجعل سؤال فيروز واحدًا من أكثر الأسئلة رسوخًا في التجربة الإنسانية. فهو يتكرر في الرسائل، والروايات، والمسرح، واللقاءات اليومية، حتى يكاد يبدو جزءًا من محاولة البشر الدائمة لمقاومة المسافة والزمن. فما الذي يمنح سؤالًا بهذه البساطة قدرةً على البقاء حيًا عبر العصور؟


عبر تاريخهم الطويل، طور البشر لغة كاملة للتعامل مع الفراق والغياب. فعندما تتباعد الخطى، وتعجز اللغة عن احتواء ثقل التجارب المتراكمة، ينكمش الخطاب إلى أكثر صيغه كثافة. ولا يكون السؤال وسيلة لجمع المعلومات بقدر ما يصبح فعلًا لاستعادة الصلة ومحاولةً لإحياء خيط لم ينقطع تمامًا. فقولنا: كيفك أنت؟ هو إعلان بأن الآخر ما يزال حاضرًا في الذاكرة.

وليس غريبًا أن يلتفت الفلاسفة وعلماء اللغة إلى هذا النوع من الأسئلة. فمنذ القدم ميزوا بين اللغة التي تنقل المعلومات، واللغة التي تُنشئ العلاقات الإنسانية. وربما الأدب أدرك هذا قبل أن تصوغه اللسانيات الحديثة بمصطلحاته، ففي الروايات الكبرى والرسائل المتبادلة بين العشاق والمفكرين، كثيرًا ما تأتي الأسئلة البسيطة لتؤدي وظيفة تتجاوز المعنى، فتكون دليلًا على أن المتكلم ما يزال يمنح الآخر مكانًا محفوظًا في وعيه، مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الأحوال.


لكن هذا الحضور المستمر للسؤال يصطدم بحقيقة في حياتنا اليومية. ففي معظم اللقاءات العابرة، تحوّل سؤال الحال إلى طقس اجتماعي يؤدي وظيفة المجاملة أكثر مما يؤدي وظيفة الإصغاء. يُطرح على عجل ولا ينتظر صاحبه سوى إجابة مألوفة من قبيل: «الحمد لله» أو «ماشي الحال»، ثم يمضي كل طرف في طريقه. ومع كثرة التكرار، يكاد السؤال يفقد معناه ويصبح غلافًا لغويًا يؤدي واجب التحية لا أكثر.

في أغنية فيروز، التي تدور حول لقاء يأتي بعد غياب طويل، يُستعاد السؤال من هذا الاستهلاك اليومي ويعود إلى معناه الأول. وتذهب رواية متداولة إلى أن الأغنية استُلهمت من لقاء عابر بين فيروز وابنها زياد بعد فترة من الجفاء، وهي حكاية سواء صحت أم لا، تنسجم مع بنية الأغنية. فالسؤال يستدعي تاريخًا كاملًا من الغياب، لذلك لا يسمح بالاحتماء وراء إجابة مختصرة، لأن ما يسأل عنه ليس ما حدث اليوم، لكن ما فعلته السنوات بالإنسان. وربما هذا هو السر في بقاء سؤال «كيفك أنت؟» حيًا رغم بساطته. فليس المهم أن يجد جوابًا كاملًا، لأنه لم يُخلق لهذا الغرض أصلًا. قيمته الحقيقية أنه يرفض أن يجعل الآخر مجرد غائب اكتملت حكايته، ويعيد فتح احتمال اللقاء كلما بدا أن الزمن أغلقه.

تتغير الحضارات وتتبدل وسائل التواصل، تندثر لغات وتولد أخرى، لكن الإنسان يواصل افتتاح أكثر لحظاته صدقًا بسؤال فيروزي صغير كهذا.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

حتى لا يصدأ النظر 🪄 عبير اليوسفي ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ في حياتنا اليومية تبتلعنا عادة الألفة، نمر على الأشياء والأصوات والمشاعر دون أن نراها حقًا، لأن العقل بطبعه يميل إلى تصنيف المألوف واختزاله ليوفر طاقته. فيضع كل ما هو مكرر داخل إطار الاعتياد البارد. تصبح الدهشة عملية إنقاذ مستمرة لأرواحنا من سكتة الألفة، ونزع الغبار عن حواسنا لنرى العالم وكأننا نطالع نوره للوهلة الأولى. يمتلك الفن هذه القدرة الفريدة على إيقاظ الدهشة. فاللحن الذي سمعناه عشرات المرات، أو الرواية التي نعود إليها بعد سنوات، لا يقدمان...

هل شاهدت الفيلم؟ عبير اليوسفي ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ هناك كتب تنتمي إلى زمنها، ثم تصبح وثائق تاريخية. وهناك كتب يحدث معها العكس تمامًا؛ كلما مر عليها الزمن، ازدادت قدرة على تفسير الحاضر. الأوديسة من هذا النوع الثاني. فمن الصعب أن نشاهد فيلمًا جديدًا عنها أو نقرأ رواية تستلهمها دون أن تفكر بشيء بسيط: لماذا لا نتوقف عن العودة إلى هذه الحكاية؟ قد يكون الجواب المعتاد أنها أعظم حكاية عن المغامرة. لكن هذا لا يبدو مقنعًا. لقد امتلأ الأدب بحكايات السفر والبطولات، بينما بقيت الأوديسة وحدها قادرة على أن تعبر...

ماذا يتبقى في الملعب الفارغ؟ عبير اليوسفي ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ثمة لحظة من انعدام الوزن تصيب المشاهد فور انطلاق صفارة النهاية في المباراة الختامية. للوهلة الأولى، يبدو الأمر مجرد انقضاء لحدث رياضي مدته شهر؛ لكن التجربة النفسية تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا. إنها الاستكانة المفاجئة التي تغمر المكان بعد صخب طويل، وتشبه إلى حد تطابق مذهل ذلك الفراغ الوجودي الذي يتملكك حين تطوي الصفحة الأخيرة من رواية ضخمة عاشرت شخصياتها لأسابيع. في كلتا الحالتين، لا يتصل الحزن بالطريقة التي انتهت بها الحكاية سواء انتهت...