الحرب التي لا تنتهي


كيف يصبح القتل فكرة؟ 💣🗡️

Author

عبير اليوسفي

قبل أيام بدأت قراءة رواية «وحيدًا يموت الإنسان» لهانس فالادا، رواية ألمانية تدور أحداثها في برلين النازية، وتبدأ بمشهد وصول خبر إلى عائلة جفانجل بمقتل ابنهما الوحيد على الجبهة. في بداية الفصل الثاني، وبينما كنت أقرأ وأتناول الفطور، فاجأني من خارج الصفحة صوت انفجار لم أعرف مصدره، وللحظة لم أعد أعرف أي الحربين ينبغي أن أصغي إليها. كان في الأمر شيء مربك أن تقرأ عن حرب انتهت منذ عقود، ثم يأتي صوت من الخارج ليذكرك بأن الحرب لم تنتهِ أصلًا، وأن التاريخ الذي نظنه خلفنا يستطيع في لحظة واحدة أن يصبح حاضرًا.


في البداية كان الإنسان يحتاج إلى يده كي يقتل. ثم اكتشف الحجر، السيف والرمح والقوس، ثم البارود والمدفع، الطائرة والقنبلة، ثم الصاروخ والطائرة المسيّرة. لتبدو الحرب من أكثر اختراعات الإنسان غرابة. نحن نعرفها منذ أقدم الحضارات تقريبًا، ونعرف نتائجها قبل أن تبدأ، ومع ذلك لم يكن تاريخ الإنسان تاريخ محاولات متواصلة لإيقاف الحرب، كان أيضًا تاريخًا طويلًا لتحسين وسائل خوضها.


مع تغير أشكال القتال، تغيرت المسافة التي تفصل الإنسان عن ضحيته. كان القتل في بداياته فعلًا يتطلب مواجهة الجسد بالجسد، أما الحرب الحديثة فقد جعلت من الممكن أن يقتل الإنسان شخصًا لا يراه، ومن مكان لا يعرفه، وربما دون أن يعرف حتى من الذي قتله. كلما تقدمت التقنية، بدا أن الحرب تنجح أكثر في فصل الفعل عن فاعله.

وقد أعادت التكنولوجيا العسكرية تشكيل علاقة الإنسان بالفعل الأخلاقي نفسه، فالمسافة تمنح القتل شكلًا من أشكال التجريد. يصبح العدو إحداثية، أو هدفًا على شاشة، أو رقمًا في تقرير. وربما كان هذا أحد أكثر التحولات إثارة للقلق في تاريخ الحرب، أن يصبح الموت أكثر سهولة كلما أصبح أقل حضورًا في وعي من يصنعه.

لكن الحرب لم تكن اختراعًا تقنيًا فقط، كانت قبل كل شيء فكرة.

منذ «الإلياذة»، لم يكن الأدب يروي الحرب باعتبارها سلسلة من الانتصارات العسكرية فحسب، لكن أيضا باعتبارها تجربة تكشف هشاشة الإنسان. فالحرب في كتب التاريخ تظهر حركة جيوش على الخرائط، وفي الأدب كانت أجسادًا تخاف، وأمهات تنتظر، وأصدقاء يفقدون أصدقاءهم، ورجالًا يكتشفون أن المجد الذي وُعدوا به لا يساوي شيئًا أمام حقيقة الموت.

ولهذا تقدم «الإلياذة» أخيل رغم كل ما تمنحه له من قوة ومجد، إنسانًا محكومًا بالموت. يعرف أن البطولة لن تنقذه من المصير الذي ينتظر الجميع، وأن المجد الذي تمنحه الحرب لا يستطيع أن يهبه حياة دائمة. وحتى حين يكون في أقصى قوته، يظل الموت حاضرًا في شخصه وفيمن حوله.

والأهم أن الأدب لا يكتفي بالنظر إلى الحرب من جهة المنتصر. ففي اللحظة الأخيرة من «الإلياذة»، حين يدخل بريام ملك طروادة وأبو هكتور، إلى معسكر أخيل طالبًا جثمان ابنه، يتغير معنى الحرب للحظة. الرجل الذي كان أخيل يراه عدوًا يصبح أبًا أمامه، والخصم الذي كان جزءًا من جيش معادٍ يستعيد فجأة فرديته ووجهه وحزنه. يتذكر أخيل أباه، ويتعرف في حزن بريام على حزن يمكن أن يكون حزنه هو نفسه. تحتاج الحرب إلى اختزال الآخر حتى يصبح قتله ممكنًا، أما الأدب فيفعل العكس، يعيد إليه اسمه وتاريخه وعلاقاته وخوفه، ويجعل من الصعب أن يبقى مجرد عدو.

كانت رواية «وحيدًا يموت الإنسان» امتدادًا لهذا التقليد الأدبي، وإن كانت الحرب فيها قد انتقلت من ساحة المعركة إلى البيت. كتبها هانس فالادا عام 1946، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط النظام النازي بوقت قصير، مستندًا إلى قصة حقيقية لزوجين ألمانيين، أوتو وإليزه هامبل، دفعهما مقتل ابنهما في الحرب إلى القيام بفعل مقاومة بسيط وخطير في آن: كتابة بطاقات تنتقد النظام النازي وتركها في أماكن عامة. لم يكن ما فعلاه قادرًا على تغيير مسار الحرب أو إسقاط النظام، لكنه كان محاولة لاستعادة شيء صغير من القدرة على الرفض داخل دولة جعلت الطاعة شرطًا للبقاء. نقل فالادا هذه القصة إلى الأدب، ووسّع تفاصيلها وشخصياتها، لكنه أبقى على فكرة أن الحرب تمتد إلى البيوت، وتعيد تشكيل العلاقات، وتدفع الأفراد إلى الاختيار بين الصمت والمقاومة، ولذلك فإن عالم الرواية ليس عالم المعارك بقدر ما هو عالم الخوف الذي يجعل الحرب ممكنة أصلًا.


تحتاج الحروب إلى لغة تقسم العالم إلى «نحن» و«هم»، صديق وعدو، ومن أخطر ما تفعله أنها تعيد ترتيب القيمة الأخلاقية للحياة وفقًا للانتماء. وحين تصبح الحرب سؤالًا عن طبيعة الإنسان، فإنها تخرج من صفحات التاريخ العسكري إلى تاريخ الفلسفة نفسها. فإذا كان الإنسان قادرًا على بناء نظام كامل من الأفكار التي تجعل قتل الآخر مشروعًا، فهل العنف جزء من طبيعته، أم أن الظروف السياسية والاجتماعية هي التي تمنحه شرعيته؟

من هيراقليطس الذي رأى الصراع عنصرًا كاشفًا عن نظام العالم، إلى هوبز الذي قرأ الخوف والصراع في أصل الاجتماع السياسي، ثم كانط الذي حاول أن يتخيل شروطًا تجعل السلام ممكنًا لا مجرد هدنة بين حربين.

ظل السؤال نفسه يعود بأشكال مختلفة، ولا يبدو أن التاريخ قدم إجابة حاسمة. فالإنسان الذي بنى المدن والمعابد والمكتبات هو نفسه الذي بنى الأسلحة، واليد التي تكتب قصيدة يمكنها أن تمسك سلاحًا. وربما لا يكمن تناقض الإنسان في أنه قادر على العنف فقط فهذا واضح، لكن في أنه قادر في الوقت نفسه على معرفة فداحة العنف والاستمرار فيه.

نقطع شوطًا هائلًا في تطوير أدوات الحرب، لكننا لم نقطع الشوط نفسه في تطوير قدرتنا على الاستغناء عنها.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

في الحاجة إلى غاية 🤺💡 عبير اليوسفي ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب خفيف وجميل بعنوان «بما يؤمن المؤلفون» بترجمة سهيلة رمضان، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المتنوعة، التي تتقاطع رغم اختلاف موضوعاتها، عند أسئلة الأدب والكتابة، وما يجعل الإنسان يمنح نفسه لفكرة أو قضية أو معنى يتجاوز حياته اليومية. وفي نهاية هذه النشرة سأضع بعض التوصيات لقراءات أغسطس أعجبتني. يستفتح الكتاب بمحاضرة لتورغينيف عن دون كيخوته وهاملت، يضع الشخصيتين في مواجهة بدت مواجهة بين شخصيتين أدبيتين متناقضتين، لكنها...

ماذا يعني أن تتذكرني آلة؟🤔 عبير اليوسفي ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ ماذا يعني أن يقول لنا الذكاء الاصطناعي: «لا أتذكرك»؟ حدث أن عدت إلى محادثة قديمة مع ChatGPT، لأجد أن الطرف الآخر لم يعد يعرفني كما كان. لم ينسَ اسمي أو معلومة عابرة قلتها له، لكنه فقد السياق الذي تراكم عبر عشرات المحادثات. كان عليّ أن أشرح من جديد أشياء بدت لي محسومة، وأن أعيد بناء تاريخ صغير ظننت أنني لا أحتاج إلى شرحه مرة أخرى. أعلم أن الأمر كان ليس أكثر من عطل في الذاكرة، لكن كلمة «الذاكرة» نفسها كانت فجأة أكثر التباسًا مما اعتدت. ماذا...

عن مأزق الأسئلة🫠⁉️ عبير اليوسفي ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ قضيت الأسبوع مشغولة بأمور أخرى بعيدة عن القراءة ومتابعة أخبار الساحة الثقافية، ومع الإرهاق عجزت عن لملمة شتات فكري والتركيز في فكرة تصلح لأن تكون نشرة هذا الأسبوع. قبل يوم من ارسال النشرة، تذكرت أثناء تصفح بريدي الإلكتروني نشرة الصديق عبدالرحمن جابر «للحديث بقية»، التي لم أكمل قراءتها حين وصلتني، وعدت إليها من جديد. كان عبدالرحمن يروي فيها موقفًا حدث له في مقهى. سألته النادلة بالهولندية: «هل تعرف ماذا تريد؟». سؤال عادي لا يخرج عن نطاق اختيار...