من الأرنب إلى أورويل🐰
عبير اليوسفي
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
عندما رغب الإنسان في التعبير عن ذاته، لجأ مرارًا إلى استنطاق الحيوانات، مضفيًا عليها طباعًا بشرية مألوفة كالغرور والدهاء والتمهل. وبعيدًا عن أن يكون هذا التوجه عفويًا أو لمجرد تخفيف وطأة القصة، كان توظيف الحيوان أدبيًا يمنح الكاتب مساحة لتجريد السلوك الإنساني من واقعه المباشر، ليعيد تقديمه للقارئ في قالب مجازي يسهل تأمله ونقده من مسافة آمنة.
في نشأتها الأولى، لم تكن الخرافة أو الحكاية الرمزية مجرد أدب موجه للأطفال كما استقر عليه الحال لاحقًا، كانت أشبه بتأمل مكثف في الطبيعة البشرية. وخير مثال على ذلك قصة "الأرنب والسلحفاة" المنسوبة للحكيم اليوناني إيسوب في القرن السادس قبل الميلاد، التي توارثتها الأجيال شفهيًا وكتابيًا. فهذان الحيوانان كانا في حقيقة الأمر انعكاس لنموذجين بشريين أُعيد تشكيلهما في قالب حيواني رمزي.
هذه المسافة بين الإنسان وصورته شكلت سر حضور الحيوان الخالد في الأدب، فحين يتحول الغرور إلى أرنب، والمكر إلى ثعلب، تخرج الصفة من تجريدها لتصبح شخصية متحركة داخل عالم قابل للاختبار. وبذلك تصبح الحكاية أداة تتيح للكاتب معالجة العيوب البشرية دون تسمية أصحابها، تاركًا للسرد مهمة كشف ما وراء القناع.
في «كليلة ودمنة» تتسع هذه المسافة. تعيش الحيوانات داخل مجتمع كامل له سلطة، وتحالفات ومصالح. وتتشكل العلاقات بين الحيوانات وفق منطق أقرب إلى عالم البشر منه إلى عالم الغابة. وفي هذا التحول تصبح الحكاية أقل اهتمامًا بالصفة الفردية، وأكثر انشغالًا بالبنية التي تتحرك داخلها تلك الصفات. فالحيوان في الأدب صار مجتمعًا يمكن من خلاله النظر إلى الإنسان السياسي. ولذلك اكتسب «كليلة ودمنة» موقعًا خاصًا في تاريخ الحكاية الحيوانية. كانت الغابة فيها فضاءً للسلطة؛ والحيوانات تتكلم عن علاقتها ببعضها. لتكون الحكايات وكأنها تبتعد عن الإنسان كي تقترب منه، وتستبدل العالم الواقعي بعالم حيواني.
في «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، تجاوز حضور الحيوان المعايير الأخلاقية التقليدية، أو مجرد عكس صورة المجتمع البشري، ليصبح التجمع الحيواني نموذجًا سياسيًا متكاملًا يجسد مسار الثورات وديناميكيات السلطة.
تتحدث الرواية عن قصة رمزية لثورة حيوانات على صاحبها البشري طمعًا في الحرية والمساواة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى كابوس استبدادي جديد. تثور حيوانات المزرعة بقيادة الخنازير التي تُمثل الطبقة المثقفة أو القيادية على المالك السكير، ويطردونه ليعلنوا عن قيام مزرعة الحيوان تحت مبدأ أساسي أن جميع الحيوانات متساوية. وبمرور الوقت، تبدأ الخنازير وخاصة الزعيم "نابليون" في الاستئثار بالميزات الخاصة، وتعديل المبادئ الثورية سرًا لتناسب مصالحها وطموحاتها في السلطة.
تنتهي الرواية بمشهد صادم حيث تتماثل الخنازير تمامًا مع البشر الذين ثاروا عليهم سابقًا، حتى إن الحيوانات العادية التي تنظر من نافذة البيت لا تستطيع التمييز بين الوجوه البشرية ووجوه الخنازير. كان الهدف السياسي من الرواية هي نقد لاذع ومباشر للثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي وانحرافها نحو الدكتاتورية في عهد ستالين، وهي تعبير أدبي خالد عن الفكرة القائلة بأن السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
على النقيض من ذلك، لا ينشغل الحيوان الأدبي دائمًا بثيمات السلطة والسياسة؛ ففي رواية ريتشارد باخ «النورس جوناثان ليفينغستون»، يجسد الطائر الفرد المتمرد على القواعد والقوالب التي يفرضها السرب. إذ لا يقتصر طيران جوناثان على الممارسة الاعتيادية، لكنه يتجاوزها ليكون أداة للاكتشاف وتوسيع آفاق المعرفة، وهو ما يُكلفه النفي بسبب خروجه عن المألوف. لكن فكرة الرواية كانت في ازدواجية نظرة الجماعة للمختلف، أثناء الحضور يُنبذ ويُحارب لتهديده النسق السائد. وبعد الغياب يُستعاد إرثه ويُقدس ليتحول إلى رمز وذكرى.
هذا التناقض يعكس طبيعة تعامل الجماعات مع الاختلاف كمفهوم مرن يتحدد بحسب موقعه منها. فما يُعتبر تمردًا وخطرًا في حياة الفرد، قد يتحول إلى إرث ومصدر إلهام بعد رحيله. وهكذا يمنح الأدب من خلال الرمز الحيواني مساحة آمنة لتأمل العلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مكتفيًا بصورة السرب كمرآة تعكس صراعات الإنسان دون الحاجة إلى خوض سجالات مباشرة.
تتغير وظيفة الحيوان كلما تغيرت أسئلة الأدب، فليست هناك دلالة ثابتة للحيوان تسبق النص. ما يفعله الأدب هو أنه يعيد تشكيل الحيوان وفق المسألة التي يريد أن يضعها في الضوء. حتى في حكاية الأرنب والسلحفاة، لا يبدوان خارج هذا التحول، فالحكاية لا تخبرنا كثيرًا عن الأرنب الطبيعي أو السلحفاة الطبيعية، لكن عن الطريقة التي صنع بها الخيال الإنساني من خصائصهما شخصيتين ومادتين أدبيتين.
لتكون إحدى قدرات الأدب الحيواني أنه يسمح للكاتب بأن يخرج الأشياء من قوانينها المألوفة ثم يعيدها إلى العالم وقد اكتسبت معنى آخر.