الجانب الآخر من الحكاية


النقطة السوداء⚫️🫆

Author

عبير اليوسفي

قبل أيام كنت أفكر بعدما أدركتُ أن الإنسان لا يعرف دائمًا ما الذي يفعله في حياة الآخرين. قد نظن أننا مررنا في حياة شخصٍ ما مرورًا هادئًا ولن أقول عابرًا، بينما كان حضورنا فيها طويلًا بعد أن غادرناها. وقد يحدث العكس أيضًا، نعيش إلى جوار أحدهم مطمئنين ثم نكتشف متأخرين جدًا، أننا كنا جزءًا من ألمه بطريقة لم نقصدها ولم نرها ونحن نعيش حياتنا.

هذه واحدة من الحقائق التي يصعب احتمالها، أن تكون بريئًا ومع ذلك لا تكون بريئًا تمامًا من الأثر. أن تكون منشغلًا بخوفك، أو حتى بمحاولة فعل ما تراه صوابًا، بينما يتلقى شخص آخر تصرفك تخليًا أو قسوة أو خذلانًا.. لأن الحقيقة الواحدة يمكن أن تُعاش من جهتين مختلفتين تمامًا.

في لوحة الصرخة لمونك، ثمة شخصين يسيران في الخلفية بكل هدوء. هل كانا يعرفان أنهما بمجرد مشيهما ووجودهما يشكلان خلفية الكابوس لهذا الرجل؟. هل يدرك المرء منا كم مرة كان فيها مجرد خلفية هادئة لكنها تسبب الفزع والأسى لآخر يقف بالقرب منه؟

قد لا يتطلب الأمر جشعًا ولا لؤمًا، أحيانًا يكفي أن نكون مجرد بشر غارقين في دفاعاتنا متعبين، أو أن نقوم بالتصرف الصحيح في الوقت الخطأ لنكون السكين التي تقطع حبل الود. وقسوة هذا الإدراك تكون في ذلك العجز المطلق عن التراجع أو الاعتذار عن المطب الذي اسقطنا فيه غيرنا دون قصد. كيف تعتذر لشخصٍ يتعامل مع ذكراك كفصلٍ مظلم في حياته بينما كنت تظن أنك ترافقه في مسارٍ آمن.

هذه الأفكار الإنسانية الشاقة تظهر أحيانًا في سير الكتّاب أنفسهم، حين يدرك أحدهم ولو متأخرًا، أن حضوره في حياة شخص آخر لم يكن مطابقًا للصورة التي يحملها عن نفسه. فرجينيا وولف مثلًا، كانت تعرف أن أزماتها المتكررة لم تكن شأنًا يخصها وحدها. في رسالتها الأخيرة إلى زوجها ليونارد عام 1941، كتبت له أنها تشعر بأنها تفسد حياته، وأنه كان يستطيع أن يعمل من دونها، لكنها في الرسالة نفسها قالت إنه منحها أعظم سعادة عرفتها، وإنه كان صبورًا وطيبًا معها.

لكن ما يجعل هذه الرسالة مؤلمة أنها لا تقدم لنا مذنبًا وضحية بالمعنى البسيط. وولف لم تكن ترى نفسها قاسية، وليونارد لم يكن مجرد رجل يقف خارج عاصفتها، كان زوجها ورفيق حياتها والشخص الذي شاركها سنواتها الصعبة وحاول أن يحميها خلالها. ومع ذلك، كانت هي نفسها قادرة على رؤية الأثر الذي تتركه أزمتها في حياته. قد تصبح المسألة أكثر تعقيدًا حين يحب الإنسان شخصًا بصدق، وقد يكون ممتنًا له، وقد لا يرغب في إيذائه إطلاقًا، ومع ذلك يترك في حياته ألمًا حقيقيًا.

لكن هناك دائمًا شيء آخر أكثر إزعاجًا: ماذا حدث للآخر بسبب ما فعلناه، حتى لو لم يكن ذلك ما أردناه؟ النية تشرح جانبًا من الحكاية، لكنها لا تمحو أثرها، ولا أحد منا ينجو من أن يكون النقطة السوداء في ثوب شخصٍ آخر.

تبدو فكرة الخلفية للصرخة التي بدأنا منها قاسية أكثر مما تبدو عليه في البداية. قد نكون في حياة شخص ما مجرد شخص يمشي في الخلفية، منشغلًا بخوفه وحياته ونجاته، غير مدرك أن هذا المرور صار جزءًا من قصة لا يعرفها. وربما لا نكتشف ذلك أبدًا. وربما نكتشفه بعد أن يصبح الاعتذار عاجزًا عن إعادة الأشياء إلى ما كانت عليه.

مأساة الأذى غير المقصود ليست أن هناك شخصًا شريرًا وشخصًا بريئًا، لكن أن الحياة تستطيع أن تجعل شخصًا ما قاسيًا في حكاية إنسان آخر، من دون أن يكون قد قرر يومًا أن يكون كذلك.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

خارج مسرح الطمأنينة 🎭 💭 عبير اليوسفي ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ أن تعيش، يعني في جدارة ما أن تتدرب على تغيير قياسات العبء. هناك ينبوع هادئ يُولد فيه المرء، يستند فيه على يقين مبدئي بأن العالم أرض مسطحة وآمنة، وأن الخيارات تُشبه رفوفًا ممتدة في مكتبة عامة، عليك فقط أن تمد يدك لتختار مسارك. ولسنوات كانت الحياة تُقاس بهذه المسافة. الخطوة تتبعها خطوة، والجامعة يتبعها عمل، والرفاهية ليست رفاهية بالمعنى المادي الصرف، لكن في ذلك الأمان الضمني بأن الغد سيكون امتدادًا منطقيًا لليوم، وأن الزمن خطٌّ صاعدٌ نحو...

كيف يصبح القتل فكرة؟ 💣🗡️ Homecoming 1936 By: Hans Adolf Bühler عبير اليوسفي ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ قبل أيام بدأت قراءة رواية «وحيدًا يموت الإنسان» لهانس فالادا، رواية ألمانية تدور أحداثها في برلين النازية، وتبدأ بمشهد وصول خبر إلى عائلة جفانجل بمقتل ابنهما الوحيد على الجبهة. في بداية الفصل الثاني، وبينما كنت أقرأ وأتناول الفطور، فاجأني من خارج الصفحة صوت انفجار لم أعرف مصدره، وللحظة لم أعد أعرف أي الحربين ينبغي أن أصغي إليها. كان في الأمر شيء مربك أن تقرأ عن حرب انتهت منذ عقود، ثم يأتي صوت من الخارج...

في الحاجة إلى غاية 🤺💡 عبير اليوسفي ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ انتهيت مؤخرًا من قراءة كتاب خفيف وجميل بعنوان «بما يؤمن المؤلفون» بترجمة سهيلة رمضان، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المتنوعة، التي تتقاطع رغم اختلاف موضوعاتها، عند أسئلة الأدب والكتابة، وما يجعل الإنسان يمنح نفسه لفكرة أو قضية أو معنى يتجاوز حياته اليومية. وفي نهاية هذه النشرة سأضع بعض التوصيات لقراءات أغسطس أعجبتني. يستفتح الكتاب بمحاضرة لتورغينيف عن دون كيخوته وهاملت، يضع الشخصيتين في مواجهة بدت مواجهة بين شخصيتين أدبيتين متناقضتين، لكنها...