هل هذا صوت إنسان؟


الرواية التي أربكت فرنسا🫣📚

Author

عبير اليوسفي

قديما، حين كانت المرأة تكتب كان هناك دائمًا من يشك في أن النص يمكن أن يكون لها أصلًا. وإذا بدا الصوت قويًا أو خشنًا أو مشبعًا بما يُعدّ خبرة ذكورية، ظهرت الفكرة القديمة نفسها، لا بد أن رجلًا يقف خلف هذا النص.

أحتاج الأدب وقتًا طويلًا حتى يصبح من الممكن النظر إلى النص بعيدًا عن جنس كاتبه. لم تتوقف النساء عن الكتابة لأن أحدًا شك في قدرتهن على أن يكتبن الرجال. لكن ما تغير هو أن الشك نفسه بدأ يفقد سلطته، صار من الطبيعي أن تكتب امرأة شخصية رجل، وأن يكتب رجل شخصية امرأة، وأن يذهب الروائي أبعد من تجربته الشخصية ليمنحنا حياة لم يعشها. وبالطبع الأدب في حقيقته كان تمرينًا على مغادرة الذات.

كنت قد صادفت، خلال مشاركتي في أحد مشاريع الكتابة، نسخة صغيرة من ذلك الشك القديم. في نقاش حول نص تقدمت به إحدى المشاركات، كان صوت الشخصية الذكوري حاضر إلى درجة جعلت أحدهم يستبعد أن تكون امرأة هي التي كتبته. اعتراضه كان على احتمال أن تتمكن امرأة من الدخول إلى هذا الصوت وإلى عقل الرجل من داخله. الآن أفكر في هذا كله لأن الأدب دخل مرحلة أخرى من اختبار التقمص. فبعد أن اعتدنا أن نسأل الكاتب: كيف استطعت أن تكتب شخصًا ليس أنت؟ أصبح علينا أن نواجه وسواس من الذي يتكلم أصلًا؟

خرجت المسألة عن أن تكون امرأة تكتب رجلًا، أو رجلًا يكتب امرأة، أو روائيًا يكتب شخصية لم يعش تجربتها. ظهرت إمكانية أن يتقمص غير الإنسان اللغة نفسها، وأن يتعلم الطريقة التي تبدو بها التجربة محاكية للإنسان. فما الذي يحدث ؟

الأربعاء الماضي بعث لي صديق رابط مقال بالفرنسية عن خبر تناول رواية متهمة بالذكاء الاصطناعي، قلت له وما الجديد ؟ الكثير من هذه الاتهامات منتشرة هنا وهناك، لم اهتم كثيرا بالخبر كوني لا أجيد قراءة الفرنسية وكون أن المترجم في هاتفي ترجم الخبر بركاكة منقطعة النظير، جعلني ألتقط كلمة من هنا وهناك حتى أفهم المغزى .

في اليوم التالي أثناء تصفحي لحسابي على X ظهرت لي تغريدة تتناول الخبر لكن من مغردة عربية، تحدثت عن الرواية التي حققت نجاحًا كبيرًا في فرنسا، وباعت نحو 35 ألف نسخة، وفازت بجائزة وكانت ضمن المتنافسين على جائزة غونكور. ثم اتهمها حساب مجهول على X بأنها مكتوبة تقريبًا بالكامل بالذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى أداة Pangramللكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي.

هنا قلت: «أوبا». إذن الخبر مهم ووصل إلى المنطقة العربية، ولم يعد مجرد اتهام عابر لرواية لم يسمع بها قارئ للعربية. بحثت أكثر عن القضية لأكتشف أن تناولها بالعربية كان محدودًا، بينما كانت التغطية الأكبر بالفرنسية والإنجليزية. وبالنسبة إليّ كانت قراءة ما كُتب بالإنجليزية أيسر كثيرًا من خوض مغامرة جديدة مع الفرنسية ومترجم جوجل. مع اتساع البحث لم تعد القضية مقتصرة على اتهام الرواية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ظهرت أيضًا اتهامات أخرى للكاتب تتعلق بسرقات أدبية في أعمال سابقة، وبدأت تظهر تعليقات لمغردين يقول أصحابها أنهم شاهدوا مقابلات قديمة للكاتب، واستنتجوا منها أنه لا يبدو قادرًا أصلًا على الكتابة «خير شر».

هذا النوع من الأحكام يبدو لي جائرًا، ولا يصلح دليلًا على شيء. هناك كتّاب يجيدون الكتابة أكثر بكثير مما يجيدون الحديث عن كتابتهم، وبعضهم ما إن يواجه سؤالًا مباشرًا أمام الكاميرا حتى يبدو مرتبكًا أو عاجزًا عن التعبير عن فكرة يستطيع أن يصوغها على الورق في صفحات كاملة. المقابلة التلفزيونية ليست اختبارًا في الكتابة، والتاريخ الأدبي مليء بكتّاب كان ما يخرج منهم على الورق أذكى بكثير مما استطاعوا قوله في حديث مباشر.

المهم أن الأمر بلغ مداه في مدى تقمّص الذكاء الاصطناعي للصوت البشري والتجربة الأدبية. فالرواية نفسها كانت قد نجحت في الوصول إلى القراء والنقاد، وأثارت لفتة أدبية قبل ظهور الاتهام. طرحت الكاتبة الفرنسية نويل ميشيل سؤالًا مهمًا: إذا كان النص بشريًا فعلًا، فلماذا استطاعت آلة أن تتعرف فيه إلى «بصمة» تشبه الآلة؟ وإذا كان مولّدًا جزئيًا بالذكاء الاصطناعي، فكيف استطاع نص آلي أن يقنع هذا العدد من القراء بأنه صوت إنساني؟

في نهاية الأسبوع، صادفت مقالًا للدكتور حبيب سروري وهو المتخصص في هذا المجال، يتوقف عند النقطة نفسها من زاوية أخرى. يرى سروري أن ارتفاع جودة النصوص التي تنتجها النماذج اللغوية بدأ يهدم الفكرة السهلة القائلة إن الذكاء الاصطناعي عاجز عن إنتاج الأدب الرفيع. لكن ما أثارني أكثر في مقاله هو سؤاله المعاكس: ماذا لو كان الكاتب البشري نفسه يكتب بطريقة تشبه الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يتعلم فيه الذكاء الاصطناعي من الكتابة البشرية ويحاكيها؟. تصبح الحدود أكثر التباسًا، فالآلة تتعلم من أصوات البشر ثم تعيد إنتاجها، والإنسان يقرأ ما تنتجه الآلة فيتعرف فيه إلى شيء مألوف من لغته وتجربته. وإذا كان بإمكان النص الآلي أن يبدو إنسانيًا إلى هذه الدرجة، وإذا كان النص البشري نفسه قد يحمل خصائص يمكن للآلة أن تتعرف إليها وتقلدها، فماذا يبقى من «الصوت» كدليلًا على صاحبه؟

أو بالأفصح : ماذا يحدث لفكرة الصوت الأدبي حين يصبح من الصعب علينا أن نعرف إن كان النص الذي نقرأه قد خرج من تجربة بشرية أو من نموذج لغوي؟

نحتاج أولًا إلى التوقف عند ما نعنيه بالصوت. حين نقول إن لكاتب صوتًا خاصًا، فنحن لا نقصد أسلوبه في ترتيب الكلمات وحده، ولا مفرداته التي يكررها أو إيقاع جمله الذي يمكن تمييزه بعد قراءة صفحات قليلة. الصوت في معناه الواسع، هو الطريقة التي تقف بها تجربة الكاتب خلف اللغة، ما رآه وما فقده وما يتذكره، انحيازاته ومخاوفه وحدود معرفته، وحتى الأشياء التي يعجز عن قولها تمامًا.

لهذا ارتبط الصوت الأدبي طويلًا بفكرة التجربة، وليس شرطًا أن يكون الروائي قد عاش كل ما يكتبه، فالخيال قائم أساسًا على قدرتنا على تخيل ما لم نعشه. لكننا كنا نفترض دائمًا أن وراء هذا الخيال ذاتًا بشرية تحاول أن تفهم حياة أخرى، وأن اللغة هي الأثر الذي تتركه هذه المحاولة.

لكن الذكاء الاصطناعي يربك هذه العلاقة. فهو لا يحتاج إلى أن يكون قد فقد شخصًا كي يكتب عن الفقد، ولا أن يغادر وطنه كي يكتب عن المنفى، ولا أن يقع في الحب كي يصوغ جملة عن الحب. يكفي أن يكون قد تعلّم من عدد هائل من النصوص التي كتبها بشر عاشوا هذه الأشياء، وأن يعرف كيف تُكتب التجربة الإنسانية في اللغة.

المسألة الأكثر إرباكًا بالنسبة إليّ، هي قدرة الآلة على تقمص أثر التجربة. تستطيع أن تنتج نصًا يحمل العلامات التي اعتدنا أن نربطها بوجود إنسان خلفه، من دون أن تكون قد امتلكت التجربة التي أنتجت هذه العلامات في الأصل. ومع ذلك، لا أظن أن هذا يعني أن الأدب البشري يفقد قيمته بمجرد أن تصبح الآلة قادرة على محاكاته. فالفارق بين أن تعرف الآلة كيف يُكتب الحزن، وأن يعرف الإنسان الحزن يظل فارقًا مهمًا.

لكن ماذا لو عرفتَ أن الرواية التي أحببتها كتبها الذكاء الاصطناعي، هل ستقرأها بالطريقة نفسها؟

لا أعرف موقفي تحديدًا. حتى الآن لم أقرأ عملًا أدبيًا أعرف أنه كُتب بالذكاء الاصطناعي، ولذلك يصعب عليّ أن أعرف كيف سأتعامل معه إذا حدث ذلك. لكنني صادفت ما يكفي من الترجمات التي يبدو أن المترجم استعان فيها خصوصًا في البدايات الأولى لهذا الاستخدام، بصوت الذكاء الاصطناعي وصياغاته الجاهزة، وبالطريقة التي كان بها شات جي بي تي يمد الجملة ببعض الفزلكة ويمنحها نبرة واحدة تكاد تتكرر في كل شيء.

لذا لا يتعلق قلقي من الذكاء الاصطناعي في الأدب بأن الآلة ستكتب أفضل منا، ما يقلقني أكثر هو أن نعتاد تدريجيًا نصًا لا يحتاج إلى صاحبه، ولا يشير بالضرورة إلى تجربة، وربما سيأتي وقت لا يعود فيه الالتفات نحو: «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب رواية؟» فهذا السؤال في جانب منه حُسم بالفعل.

سيكون الأصعب منه مواجهة فكرة أننا حين نقرأ رواية ونشعر أن صوتًا بشريًا يتحدث إلينا من خلالها، هل يكفي هذا الشعور كي نصدقه.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

النقطة السوداء⚫️🫆 عبير اليوسفي ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ قبل أيام كنت أفكر بعدما أدركتُ أن الإنسان لا يعرف دائمًا ما الذي يفعله في حياة الآخرين. قد نظن أننا مررنا في حياة شخصٍ ما مرورًا هادئًا ولن أقول عابرًا، بينما كان حضورنا فيها طويلًا بعد أن غادرناها. وقد يحدث العكس أيضًا، نعيش إلى جوار أحدهم مطمئنين ثم نكتشف متأخرين جدًا، أننا كنا جزءًا من ألمه بطريقة لم نقصدها ولم نرها ونحن نعيش حياتنا. هذه واحدة من الحقائق التي يصعب احتمالها، أن تكون بريئًا ومع ذلك لا تكون بريئًا تمامًا من الأثر. أن تكون منشغلًا...

خارج مسرح الطمأنينة 🎭 💭 عبير اليوسفي ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ أن تعيش، يعني في جدارة ما أن تتدرب على تغيير قياسات العبء. هناك ينبوع هادئ يُولد فيه المرء، يستند فيه على يقين مبدئي بأن العالم أرض مسطحة وآمنة، وأن الخيارات تُشبه رفوفًا ممتدة في مكتبة عامة، عليك فقط أن تمد يدك لتختار مسارك. ولسنوات كانت الحياة تُقاس بهذه المسافة. الخطوة تتبعها خطوة، والجامعة يتبعها عمل، والرفاهية ليست رفاهية بالمعنى المادي الصرف، لكن في ذلك الأمان الضمني بأن الغد سيكون امتدادًا منطقيًا لليوم، وأن الزمن خطٌّ صاعدٌ نحو...

كيف يصبح القتل فكرة؟ 💣🗡️ Homecoming 1936 By: Hans Adolf Bühler عبير اليوسفي ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ قبل أيام بدأت قراءة رواية «وحيدًا يموت الإنسان» لهانس فالادا، رواية ألمانية تدور أحداثها في برلين النازية، وتبدأ بمشهد وصول خبر إلى عائلة جفانجل بمقتل ابنهما الوحيد على الجبهة. في بداية الفصل الثاني، وبينما كنت أقرأ وأتناول الفطور، فاجأني من خارج الصفحة صوت انفجار لم أعرف مصدره، وللحظة لم أعد أعرف أي الحربين ينبغي أن أصغي إليها. كان في الأمر شيء مربك أن تقرأ عن حرب انتهت منذ عقود، ثم يأتي صوت من الخارج...