الزغروطه التي أربكت المغنية🫨
عبير اليوسفي
١٥ أبريل ٢٠٢٦
منذ دخولها إلى الفضاء الأوروبي في القرن التاسع عشر، ارتبطت السيجارة بتحولات الحداثة الكبرى. المدن الضخمة، العزلة الوجودية، تسارع إيقاع الحياة، وتبدل علاقة الإنسان بذاته. كانت علامة على نمط وجود جديد، يجعل الفعل البسيط كإشعال سيجارة طقسًا ممتلئ بالأفكار. لهذا حضرت في الأدب كلحظة فاصلة أثناء الكتابة.
يعود تاريخ التبغ إلى آلاف السنين. استخدمه سكان أمريكا الأصليون مثل شعوب المايا والأزتيك، في طقوس دينية وعلاجية منذ حوالي 6000 عام قبل الميلاد. كان الدخان وسيلة للتواصل مع الآلهة وتطهير الروح، وعبور إلى مرحلة الرجولة. مع اكتشاف كريستوفر كولومبوس لأمريكا عام 1492، انتقل التبغ إلى أوروبا. في البداية وُصف بـالعشبة الشيطانية، وحُظر في بعض الدول مثل تركيا العثمانية، ثم تحول سريعًا إلى سلعة تجارية مربحة.
لكن القرن التاسع عشر، ظهرت السيجارة الحديثة كما نعرفها اليوم، بعد اختراع آلة لف السيجائر عام 1880 التي سمحت بالإنتاج الجماعي. أصبحت رمزًا طبقيًا فالسيجار للأغنياء دليل رقي وتأمل، و للطبقات الشعبية والمثقفين البوهيميين رمز التمرد والحرية. في العالم العربي، دخل التبغ عبر الإمبراطورية العثمانية، وارتبط بالقهوة والنقاشات الفكرية في المقاهي، حيث كان يصاحب الجلسات الأدبية والسياسية.
في الأدب العالمي، تحولت السيجارة إلى عنصر سردي فاعل. يدخن ميرسو في رواية الغريب لألبير كامو، سيجارته بهدوء بعد موت أمه وبعد جريمته وبينما ينتظر الإعدام، فتصبح السيجارة تعبيرًا عن اللامبالاة الوجودية والتمرد على المنطق الاجتماعي. أما جان بول سارتر فيظهر التدخين في أعماله مثل مسرحية الغثيان، كطقس يرافق القلق الوجودي والتوتر الذهني. كان سارتر مدخناً شرهاً يستهلك علبتين يومياً بالإضافة إلى الغليون. في أيامه الأخيرة، كان يدخن رغم ضعفه الشديد وفقدان البصر تقريبا. تشير سيمون رفيقته في كتابها عنه إلى أنه كان يدخن حتى في أيامه الأخيرة من عمره رغم تدهور صحته. فكرة السيجارة الأخيرة حضرت في رواية إيطالية كلاسيكية صدرت عام 1923، تعتبر من أهم الروايات في الأدب الحديث، وكانت مؤثرة على جيمس جويس وفرانز كافكا وصامويل بيكيت. وهي رواية إيتالو سفيفو «ضمير السيد زينو» التي يبدأ فصلها الأول بعنوان السيجارة الأخيرة. هذا الفصل يُعتبر من أذكى وأطرف ما كُتب عن الإدمان في الأدب العالمي. زينو مدخن شره منذ الصغر، ويحاول الإقلاع عن التدخين مرات لا تُحصى، لكنه في كل مرة يقنع نفسه بأن يدخن سيجارة أخيرة فقط، ثم يقلع بعدها. يختار تواريخ مميزة للإقلاع مثل يوم عيد ميلاده، يوم رأس السنة، يوم زواجه، لكن كل مرة تفشل المحاولة، فتصبح السيجارة الأخيرة نوعًا من الطقس الدائم والمضحك والمأساوي في آن.
لكن في رواية «الصبية والسيجارة» لبونوا ديتيرتر، كانت السيجارة بطلة الرواية ذاتها. في عالم ديستوبي ساخر، تتحول سيجارة واحدة إلى أداة تنقذ محكومًا بالإعدام وتدمر حياة موظف عادي، وتكشف تهافت المجتمع الذي يحارب التدخين بتشريعات متطرفة. الرواية التي تُوصف بأنها كافكاوية حديثة، تحول السيجارة من متعة شخصية إلى رمز سياسي للحرية الفردية في مواجهة السلطة البيروقراطية.
لا تغيب السيجارة عن الأدب العربي. أصبحت رفيقة المثقف القلق ودخلت النصوص كعنصر سردي حي. من صور محمود درويش الأيقونية برفقة السجائر والقهوة إلى غليون محمد الماغوط الشهير وقصائد نزار قباني مثل «صديقتي وسجائري» و«شؤون صغيرة»، يتحول الدخان إلى غواية رومانسية. وكذلك روايات غسان كنفاني «رجال الشمس» و«عائد إلى حيفا»، يحضر التدخين كجزء من جو التوتر والمنفى والإنتظار المرير. أما في أعمال نجيب محفوظ مثل «ثرثرة فوق النيل»، فتظهر السيجارة في جلسات المثقفين على العوامة كعنصر أساسي في النقاشات الفكرية والسخرية من الواقع. حتى سن التسعين، استمر محفوظ في تدخين سيجارتين يوميًا.
مع ذلك لا تقتصر علاقة السيجارة بالأدباء على لحظات الإبداع والتأمل فحسب، امتدّت أحياناً إلى الجانب المظلم، الدمار الذاتي والموت التراجيدي. ربما لا تجسد هذه الحقيقة أحداً أكثر من الشاعرة والروائية النمساوية إنجبورج باخمان، إحدى أبرز أصوات الأدب الألماني في القرن العشرين. أشعلت عام 1973 في شقتها المنعزلة بروما السيجارة التي اعتادت تدخينها بشراهة. كانت تعاني آنذاك من إدمان شديد على المهدئات والكحول، خاصة بعد انفصالها المؤلم عن الكاتب ماكس فريش. وقعت نائمة فسقطت السيجارة المشتعلة على قميص نومها ليندلع الحريق، وبسبب تأثير الأدوية القوية لم تشعر ولم تستيقظ إلا بعد انتشار النيران. توفيت في 17 أكتوبر عن عمر 47 عاماً متأثرة بالحريق. لكن ما يجعل قصة باخمان مؤثرة أدبياً أكثر من كونها تراجيدية شخصية، هو أن روايتها الوحيدة تنتهي بمشاهد تحمل إيحاءات قوية بالاحتراق والاختفاء في النار. النقاد رأوا في حادثتها نهاية أدبية كأنها اختلقتها بنفسها.
تغيرت اليوم نظرة العالم إلى التدخين، لكن يبقى النظر إليه من زاوية أدبية وفكرية يسمح بفهم أوسع لدوره في تشكيل جيل كامل من الكتاب والمفكرين.
•الزغروطه التي أربكت المغنية!
ينتشر مقطع فيديو لإحدى المغنيات، وردّة فعلها بعد سماعها الزغرودة من الجمهور. قالت: «لا أحبه.. هذا غريب». وحين صاحت إحدى المعجبات: «هذه ثقافتي!»، ردّت بسخرية: «ثقافتك؟». اعتذرت لاحقًا وأوضحت أنها لم تكن تعرف ماهية الزغرودة، وأنها ترحّب الآن بكل أشكال التشجيع. لكن لماذا تختلف الشعوب في طرقها للإحتفال بالفرح ذاته؟
اخترع الإنسان طرقه الخاصة للتعبير عن المشاعر الإنسانية المشتركة، لكن لم تتوحد الشعوب في طريقة واحدة للإحتفال ، لأن كل ثقافة تشكلت في بيئة جغرافية وتاريخية وروحية خاصة بها.
في بعض الثقافات، يصبح الإحتفال حركة جسدية جماعية؛ في أخرى صوتًا متفردًا؛ وفي ثالثة إيقاعًا موسيقيًا. هذا التنوع الغني يعكس قدرة الإنسان على التكيف مع محيطه، وصنع هوية جماعية. ولأن الإحتفال في جوهره لحظة يجتمع فيها الأفراد ليؤكدوا انتماءهم، ويحولون الفرح الفردي إلى طاقة جماعية.
في البدايات، كانت الإحتفالات مرتبطة بالصيد، الحرب، والخصوبة. ثم تطورت لتصبح تعبيرًا عن الفرح النقي. الزغروطة أو الزغرودة، هي صوت عالٍ متذبذب يصدر من تحريك اللسان بسرعة داخل الحلق. في البحث عن أصلها تجد أنه غير محسوم تمامًا، لكن الروايات التاريخية تشير إلى جذور قديمة. بعض الباحثين يربطونها بالحضارة الفرعونية في مصر القديمة، حيث وُجدت إشارات في نصوص الأهرام ترتبط بالوداع أو الإبتهاج . روايات أخرى تعود بها إلى العصر الجاهلي في الجزيرة العربية، حين كانت النساء يطلقنها في المعارك لرفع معنويات المقاتلين، أو في الطقوس الوثنية لطلب الغوث والرحمة من الآلهة. هناك آراء ترجح أصلًا أفريقيًا، خاصة من منطقة النوبة في السودان، حيث تُعد الزغاريد النوبية الأقرب إلى الشكل الأصلي. انتشرت في الثقافات العربية وشمال أفريقيا، ووجدت أشكالًا مشابهة في حضارات أخرى مثل الإغريق القدماء أو حتى بعض الثقافات الهندية والأمريكية الأصلية. عربيًا أصبحت رمزًا أنثويًا قويًا للفرح في الزفاف، في التخرج، في الأخبار السارة.
واحدة من المظاهر الإحتفالية لدينا في اليمن هي رقصة البرع. رقصة ذكورية جماعية تؤدى بإستخدام الجنابي مصحوبة بإيقاع الطبول والأهازيج الحماسية. حركاتها تشبه المناورات القتالية، الإصطفاف ، الإنقضاض، الكر والفر.
يعود أصلها إلى رقصة حربية قديمة، كانت تُستخدم للإعلان عن خطر قادم، أو تحشيد المقاتلين، أو استعراض المهارات القتالية والشجاعة. مع الزمن، تحولت إلى فن احتفالي يُؤدى في الأعراس، أو المناسبات الوطنية. يرى اليمنيون أن البارع في «البرع» هو رجل شجاع ونخوة، فأصبحت تعبر عن الفخر والرجولة والإنسجام الجماعي، رغم نغمتها الحربية التي تحملها من أصلها. وبهذا يحول الإنسان أدوات الحرب إلى لغة سلام واحتفال.
يصبح العالم كما نعرف قرية صغيرة وربما ضيقة، لكن مع ذلك مازلنا نجهل أبسط لغات بعضنا، لغات الفرح .