هل احترفت الانتظار ؟


في نسيج بينلوبي🧶⏳

Author

عبير اليوسفي

في إحدى أغنياتها، تقول فيروز إنها تحترف الحزن والانتظار. ذلك الانتظار نفسه الذي تقف بينلوبي تنسجه في الأوديسة والتي تُعتبر واحدة من أعظم القصص في الأدب الكلاسيكي.

تقول الأسطورة أنه بعد انتهاء حرب طروادة، قضى أوديسيوس عشر سنوات أخرى تائهًا في البحار قبل العودة إلى وطنه إيثاكا. خلال هذه العشرين عامًا، ساد الإعتقاد بأنه مات. وبما أن بينلوبي كانت ملكة جميلة وتملك ثروة وسلطة، حاصر بيتها عشرات الخُطّاب الطامعين في الزواج منها والجلوس على عرش زوجها.

تحت ضغط الخُطّاب وإلحاحهم، ابتكرت بينلوبي حيلة ذكية لتأجيل قرارها، أعلنت أنها ستقوم بحياكة كفن لـ لايرتس والد أوديسيوس المسن ووعدت أنها ستختار زوجًا من بينهم بمجرد الانتهاء منه.

كانت تقضي نهارها كله تغزل ببراعة وإخلاص. وفي الليل كانت تقوم بنقض ما غزلته بالنهار سرًا. بفضل هذه الدائرة اللامتناهية الغزل ثم النقض، استطاعت خداعهم لمدة ثلاث سنوات كاملة.

عندما اكتُشفت خدعتها في النهاية، اضطرت لوضع اختبار مستحيل للخُطّاب من يستطيع شدّ قوس أوديسيوس العظيم ورمي سهم عبر ثقوب اثني عشر فأسًا، سيكون زوجًا لي. فشل الجميع حتى دخل أوديسيوس متنكرًا بزي شحاذ وفعلها.


حوّل الأدباء، ومنهم رولان بارت هذه الأسطورة من مجرد قصة اجتماعية إلى دراسة في سيكولوجية الانتظار. يرى بارت أن "أنا مَن ينتظر، والآخر هو مَن يتأخر". هذا التفاوت يخلق سلطة غير متكافئة؛ فالمنتظِر هو الأكثر هشاشة، والأكثر حضورًا في الوقت نفسه. تحضرني الآن قصيدة درويش وهو يقول «في الانتظار يصيبني هوس برصد الإحتمالات الكثيرة». ثم يختمها بالقول «وإن الموت مثلي لا يحب الإنتظار».

طوال مسيرتي الدراسية ظل أصعب انتظار أواجهه هو نتيجة الرياضيات. كبرتُ وتبدلت انتظاراتي، وتماهت مع قلقي. وفي آخر سنواتها كانت جدتي تنتظر الموت بعد وفاة جميع أخوتها وأختها الوحيدة. هذا الاستنزاف الوجداني، وما وصفه الأدباء كحالة من الهشاشة هو انعكاس لمعركة بيولوجية طاحنة؛ فسيكولوجيًا يُعد الانتظار واحدًا من أصعب الاختبارات للجهاز العصبي. إنه حالة من التأهب المعلق، حيث يفرز الدماغ هرمونات القلق تحسبًا لحدث مجهول. في الانتظار يتمدد الزمن نفسيًا؛ فالدقيقة التي نقضيها في ترقب خبر مصيري قد تعادل في ثقلها ساعات من العمل العادي. يشبه الوقوف في المنطقة الرمادية بين الأمل الذي يغذي الروح، واليأس الذي ينهك الجسد.

لماذا يستمر الانتظار في أن يكون مصدر إلهام عبر العصور؟

تاريخيًا، لم يولد الانتظار مع الإنسان الأول الذي كان يعيش لحظة الصيد الآنية. عرف الإنسان الانتظار الحقيقي مع الثورة الزراعية. عندما وضع أول بذرة في الأرض، اضطر لأول مرة أن يفهم الزمن الآتي. كان عليه أن ينتظر المطر، والشمس، والحصاد. ومن هنا تعلم تحويل الانتظار إلى طقس مقدس، وارتبط بمراقبة النجوم وحركة الأفلاك. تطور الانتظار لاحقًا ليصبح غيبيًا؛ بانتظار البعث، أو انتظار المخلص، أو انتظار ما وراء الموت. تعلم الإنسان القديم أن الانتظار هو الثمن الذي يدفعه مقابل الأمل.

اليوم أظن أننا فقدنا شاعريّة الانتظار. صار انتظارنا متقطعًا، عصبيًا، ومرتبطًا بشاشات الهواتف وردود الرسائل الفورية. لم نعد نملك نول بينلوبي لنغزل وننقض؛ بل صرنا نستهلك قلقنا على أخره.
يبقى الانتظار عبر التاريخ والأدب، هو الخيط الرفيع الذي يربط ذواتنا الحالية بنسختنا التي نتمناها في المستقبل. وكما فعلت بينلوبي، يظل الانتظار حرفة لا يتقنها إلا من آمن أن هناك نهاية تستحق كل هذا الصبر.

ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

"لمن هذه الأغنية؟" 🎶📻 عبير اليوسفي ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ قرأتُ منشوراً شاركه صديقي مينا ناجي في صفحته، عن فيلم بعنوان "لمن هذه الأغنية؟"، يتحدث عن تتبع أصول أغنية واحدة يدعي الجميع ملكيتها. تذكرت كيف أننا ملأى بهذا التشابه في التراث الموسيقي في اليمن، وكيف تحاكي جغرافيا النغم لدينا نفس الشتات والجدل الذي وثّقه هذا الفيلم البديع رغم انطلاقه من منطقة البلقان، لكن كان قادرًا على أن يروي جزءًا من قصتنا نحن أيضًا. فيلم لمن هذه الأغنية في فيلمها الوثائقي الإثنوغرافي "لمن هذه الأغنية؟" (Whose Is This...

كيف تودعنا الرواية؟ 💬 لوحة موت القيصر عبير اليوسفي ١٧ يونيو ٢٠٢٦ يقول الروائي الأمريكي ستيفن كينغ إن الجملة الأولى في أي عمل أدبي هي بمثابة دعوة لتناول العشاء، يمد فيها الكاتب يده للقارئ ليغريه بالدخول. ولكن، إذا كانت الجملة الأولى هي المغناطيس الذي يجذبنا، فإن الجملة الأخيرة هي الروح التي تبقى معنا بعد أن نغلق الكتاب. في الجملة الأولى نكون مستكشفين تملؤنا الدهشة والفضول، أما عند الجملة الأخيرة فنكون قد تثاقلنا بمصائر الشخصيات وعشنا معهم هزائمهم وانتصاراتهم، لتأتي الكلمة الأخيرة كصدمة...

شياطين الشعراء 👿👹 عبير اليوسفي ١٠ يونيو ٢٠٢٦ كان العربي القديم يرى في الشعر سرًا لا يشبه سائر الكلام. فما الذي يجعل رجلًا يجلس في طرف الصحراء، لا يملك سيفًا ولا جيشًا قادرًا بكلمات قليلة على إشعال خصومة بين القبائل أو إطفائها؟ وكيف تستطيع أبيات تُولد في ليلة عابرة أن تبقى حيّة بعد رحيل صاحبها بقرون؟ لم يجد أسلافنا تفسيرًا لهذه القدرة سوى نسبتها إلى قوة خفية ترافق الشاعر وتهمس له بالمعاني. فالأعشى كان له شيطان يدعى «مسحل بن جندل»، وامرؤ القيس له «لافظ بن لاحظ»، وعبيد بن الأبرص له «هبيد بن...