عن الافراط الذي يقتل 🫠🤯
عبير اليوسفي
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
في صغري، كلما رغبت بحيوانٍ لتربيته قفزتُ أطلب سلحفاة أو سمكة. لماذا البحريات بالذات؟ لا أزال لا أعرف السبب. ربما لأنها تبدو أجمل وهي داخل الماء.
كان أول سمكة تدخل منزلنا هدية مجانية مع وجبة بيتزا. بيضاء شفافة، عاشت ما يقارب أقل من أسبوع، ثم سقطت في مجاري الحوض حين كانت أختي تستبدل لها الماء. اختفت فجأة. الثانية ماتت هكذا أيضًا، فجأة. عدنا من المدرسة فوجدناها تطفو بكل استسلام على سطح الماء. أظن اليوم أنها ماتت من التخمة.
ثم جاءت السلاحف. الأولى كانت مشردة، وجدناها تزحف بجانب رصيف المنزل. أولينا لها اهتمامًا جادًا. دللناها، لاعبناها، أطعمناها حتى أصبحت جزءًا من عائلتنا الصغيرة. ولا أتذكر مصيرها في الحقيقة، وأظن أن من مزايا الذاكرة أنها رحيمة أحيانًا فتحذف النهايات المؤلمة. ثم توالت السلاحف؛ تموت واحدة نجلب أخرى. نلاعبها، ندللها، نغمرها بحناننا الجامح… ولفرط ما ندللها، تموت أيضًا.
كنا نعتقد أن الحب يعني المزيد من كل شيء كما تفعل بنا الجدات؛ المزيد من الطعام، المزيد من الاهتمام. لم نكن نعرف بعد أن الكائنات تحتاج إلى مسافة نتركها تتنفس. كنا نغرقها بحبنا فنغرق معها.
أنظر اليوم إلى الوراء، أرى أن تلك الموتات الصغيرة كانت أول دروسي في الحياة. تعلّمك كيف تقدّم مشاعرك بشكلٍ موزون، لأن الاعتدال شرطٌ لبقاء ما نحب. وقد يكون الإفراط يقتل أشياء دقيقة، شفافة بالكاد تُرى. فالإفراط في جوهره، ليس مجرد زيادة كمية، هو خلل في التوازن الفلسفي بين الذات والآخر ينبع من رغبة في محو المسافة بيني وبين ما أحبه، كأن الحب الحقيقي يتطلب الغمر التام. لكن هذا الغمر نفسه يحمل بذرة الدمار. في الفلسفة، نجد كثيرًا ما تُطرح فكرة الآخر عند بعض المفكرين؛ والآخر يحتاج إلى حريته، خصوصيته، عالمه الذي لا نستطيع الدخول إليه كليًا دون أن نمحوه.
كذلك في الكتابة، يظهر الإفراط كعدو خفي للجمال. كان غوستاف فلوبير يقضي أيامًا ليصوغ جملة واحدة، لأنه كان يخشى الإفراط؛ أن يقول أكثر مما ينبغي، ويفسد التوازن الدقيق في الجمل. إذا أفرطتَ في الكلمات، غرق المعنى، وإذا قصرتَ جف. والحب الزائد مثل الجملة المحشوة، يفقد قوته. لربما يكون النضج العاطفي يعني أن نعرف كيف نحتمل شعورنا دون أن نفرغه كله دفعة واحدة، أن نترك جزءًا منه غير مُقال فقط لكي يستمر.
لكن، ماذا لو وفرنا المسافة، وأعددنا النص بكل توازن واعتدال، ثم لم نجد من يلمسه؟
هنا نواجه الوجه الآخر المقلوب للفكرة نفسها. فكما أن الإفراط في الحضور يغرق ما نحب ويقتله، فإن الإفراط في الغياب يفعل الشيء نفسه. كلاهما خلل في تقدير المسافة. مرة نقتحم الآخر حتى نلغيه، ومرة ننسحب إلى حدّ يتركه يتلاشى في الفراغ.
وإذا كان الآخر الحيّ يحتاج مسافة حتى لا يغرق بحبنا الجامح، فما بالنا بالآخر الغائب الذي نحاول الوصول إليه عبر الكتابة؟ ذلك الآخر الذي نسميه قارئًا.
في أواخر التسعينيات، في بيروت التي كانت تحاول النهوض من رماد الحرب الأهلية، سأل الشاعر بسام حجار صديقه عباس بيضون عن جديده الشعري. عبر بيضون عن شعوره بالعزلة والإحباط وأنه إذا كان القارئ لا يقرأ، أو لا يقرأ بالكفاية التي تستحقها القراءة الجادة، فما جدوى أن ينشر الكاتب ما يكتبه؟ وفي لحظة خاطفة أعلن موت القارئ.
روى بسام حجار هذه اللحظة بدقة في مقاله «مسألة موت القارئ وموتنا» المنشور في جريدة السفير عام 1997. كان الأمر تشخيصًا لأزمة جيل كامل عاش الحرب الأهلية اللبنانية، وخرج منها محطمًا، يبحث عن معنى في قصيدة النثر الحداثية وسط خراب سياسي وثقافي. كان جيل كامل قلق من أنسي الحاج إلى وديع سعادة وبول شاوول. جيلًا عاش الاقتتال الداخلي، التقسيمات الطائفية، والانهيار الاجتماعي، فكتب شعرًا يحمل ثقل الذاكرة والفقدان والتجريب اللغوي.
خرجوا من سنوات محملين بإحباط حرب لم تنتهِ فقط بالسلام الهش، لكنها أيضًا تركت فراغًا ثقافيًا، حيث تراجعت القراءة الجادة أمام صعود التلفزيون والصحافة الحزبية والاستهلاك السريع. كان الكاتب يشعر أنه يخاطب جمهورًا يتقلص يومًا بعد يوم، وأن النص المعقد الذي يحتاج قارئًا نشيطًا مشاركًا يتحول إلى كلام يُلقى في الفراغ. ما كان ينعاه حجار وبيضون هو القارئ بوصفه الذات التي يتوقعها النص ويحتاجها ليكتمل.
كان حجار يؤكد أن لا وجود لنقد الشعر إلا من خلال قارئ الشعر، وأن الشعرية مرتبطة بالتلقي أكثر من مقاصد الكاتب. أما بيضون، فكان يعبر عن تردده الشخصي في النشر، شعورًا بأن الكتابة أصبحت تتحدث إلى جدار. هذا الإحباط كان جزءًا من تجربة بعد سنوات الحرب التي دمرت البنى الثقافية والنفسية، شعروا بأن الثقافة العربية المعاصرة تفقد جمهورها التقليدي، وأن الشعر الذي كتبوه يصطدم بقارئ مشتت أو غائب.
ربما الكتابة، في جوهرها، هي محاولة لترميم المسافة التي قتلت حيواناتي يومًا ما. نكتب لنمنح الكلمات مساحة تنفس، ونكتب ونحن نرجو ألا يكون القارئ قد مات فعلًا، هو فقط يحتاج منا أن نترك له "مسافة" فلا نغرقه بإفراطنا، ولا نتركه لجفاف غيابنا.