من أين تأتي الكتابة؟


شياطين الشعراء 👿👹

Author

عبير اليوسفي

كان العربي القديم يرى في الشعر سرًا لا يشبه سائر الكلام. فما الذي يجعل رجلًا يجلس في طرف الصحراء، لا يملك سيفًا ولا جيشًا قادرًا بكلمات قليلة على إشعال خصومة بين القبائل أو إطفائها؟ وكيف تستطيع أبيات تُولد في ليلة عابرة أن تبقى حيّة بعد رحيل صاحبها بقرون؟

لم يجد أسلافنا تفسيرًا لهذه القدرة سوى نسبتها إلى قوة خفية ترافق الشاعر وتهمس له بالمعاني. فالأعشى كان له شيطان يدعى «مسحل بن جندل»، وامرؤ القيس له «لافظ بن لاحظ»، وعبيد بن الأبرص له «هبيد بن الصلادم»، والنابغة الذبياني له «هادر». ولم تكن هذه الأسماء إلا جزءًا من محاولة جادة لفهم مصدر الشعر نفسه.

كانوا يعتقدون أن الشاعر حين يتفوق على أقرانه لا يفعل ذلك إلا بمعونة قرين من الجن يلقي إليه المعاني والقوافي. فإذا تعسر الشعر وغابت الأبيات، قيل إن شيطانه قد هجره أو امتنع عنه. ولم يكن غريبًا أن يلجأ الشاعر إلى العزلة أو التجوال في البراري والوديان أو البحث عن حالة وجدانية خاصة علّه يستعيد الصوت الذي انقطع عنه.

من السهل النظر إلى هذه التصورات كخرافات تنتمي إلى زمن مضى، لكن التأمل فيها يجعلك تفكر أنها كانت محاولة مبكرة للإجابة عن سؤال ما يزال يرافق الأدب حتى اليوم: من أين تأتي الكتابة؟. المثير أن الحضارات الأخرى طرحت السؤال نفسه، وإن اختلفت الأسماء.

في اليونان القديمة لم يكن الشعراء يتحدثون عن شياطين ترافقهم، كانت تدعى ربات الفنون والإلهام، أو ما عُرف بالميوزات. وكان الشاعر يستدعيهن في مطالع أعماله الكبرى، طالبًا منهن أن يمنحنه القدرة على الإنشاد. وفي افتتاحية الإلياذة الشهيرة يستنجد هوميروس بربة الشعر كي تروي له قصة غضب أخيل. أما أفلاطون فقد ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن الجنون الإلهي، معتبرًا أن الشاعر الحقيقي لا يبدع في لحظة الحساب العقلي البارد، لكن في حالة استثنائية تجعله يتجاوز نفسه. كان يرى أن أعظم الشعر لا يصدر عن المهارة وحدها، لأنها نوع من المسّ المقدس الذي يهبط على صاحبه ثم يغادره.


ورغم اختلاف الصور بين شيطان عربي وربة إغريقية، فإن الفكرة تبدو واحدة، الإنسان لا يشعر أنه المالك الكامل لما يبدعه، هناك دائمًا شيء غامض يتدخل في اللحظة الحاسمة. ومع مرور القرون تبدلت الأسماء، اختفت شياطين الشعر وتراجعت الميوزات، وظهرت فكرة العبقرية في أوروبا الحديثة. صار الفنان يُنظر إليه بأنه كائنًا يمتلك موهبة استثنائية يصعب تفسيرها. ثم جاء علم النفس ليتحدث عن اللاوعي، وعن المناطق الخفية في العقل التي تنتج الصور والأفكار قبل أن تصل إلى الوعي. لكن المدهش أن هذه التفسيرات جميعًا لم تنجح في تبديد الغموض بالكامل.

فالشاعر المعاصر ما يزال يعرف الحالة نفسها التي عرفها الشاعر الجاهلي. يجلس أمام صفحة بيضاء فلا تأتيه جملة واحدة، ثم يفاجأ بعد ساعات أو أيام بعبارة كاملة تفرض نفسها عليه أثناء المشي أو قبل النوم أو في لحظة شرود عابرة. وما يزال الأدباء يتحدثون عن الإلهام كما لو كان ضيفًا متقلبًا لا يخضع للأوامر.

قد ينظر إلى تاريخ الأدب كله كتاريخًا طويلًا لمحاولات استدعاء ذلك الكائن المراوغ. العرب سمّوه شيطانًا، والإغريق جعلوه ربة للفنون، والفلاسفة رأوه جنونًا مقدسًا، وعلماء النفس أطلقوا عليه اسم اللاوعي. أما التجربة الإنسانية نفسها فلم تتغير كثيرًا.

تكمن قيمة أسطورة شياطين الشعر في أنها تذكّرنا بحقيقة أنه منذ آلاف السنين والبشر يكتبون، لكنهم ما زالوا عاجزين عن تفسير اللحظة التي تتحول فيها الكلمات العادية فجأة إلى أدب. وما دام هذا السر قائمًا، ستظل كل حضارة تبحث عن اسم جديد لذلك الزائر الخفي الذي يمنح اللغة قدرتها على الإدهاش.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

هل شاهدت الفيلم؟ عبير اليوسفي ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ هناك كتب تنتمي إلى زمنها، ثم تصبح وثائق تاريخية. وهناك كتب يحدث معها العكس تمامًا؛ كلما مر عليها الزمن، ازدادت قدرة على تفسير الحاضر. الأوديسة من هذا النوع الثاني. فمن الصعب أن نشاهد فيلمًا جديدًا عنها أو نقرأ رواية تستلهمها دون أن تفكر بشيء بسيط: لماذا لا نتوقف عن العودة إلى هذه الحكاية؟ قد يكون الجواب المعتاد أنها أعظم حكاية عن المغامرة. لكن هذا لا يبدو مقنعًا. لقد امتلأ الأدب بحكايات السفر والبطولات، بينما بقيت الأوديسة وحدها قادرة على أن تعبر...

ماذا يتبقى في الملعب الفارغ؟ عبير اليوسفي ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ثمة لحظة من انعدام الوزن تصيب المشاهد فور انطلاق صفارة النهاية في المباراة الختامية. للوهلة الأولى، يبدو الأمر مجرد انقضاء لحدث رياضي مدته شهر؛ لكن التجربة النفسية تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا. إنها الاستكانة المفاجئة التي تغمر المكان بعد صخب طويل، وتشبه إلى حد تطابق مذهل ذلك الفراغ الوجودي الذي يتملكك حين تطوي الصفحة الأخيرة من رواية ضخمة عاشرت شخصياتها لأسابيع. في كلتا الحالتين، لا يتصل الحزن بالطريقة التي انتهت بها الحكاية سواء انتهت...

من آلام فرتر إلى فاوست👓 عبير اليوسفي ١٥ يوليو ٢٠٢٦ قبل أيام، انتهيت من مشاهدة مسلسل متوفر على منصة نيتفليكس تصدر المشهد على المنصات، واستوقفني فيه العبور الأدبي لغوته. نادرًا ما يفاجئنا مسلسل درامي بإحالة أدبية كهذه غير متوقعة. فعندما يستعين عمل معاصر بكتاب كُتب قبل قرون، فإنه يمنحك مفتاحًا آخر لقراءة شخصياته. يحكي مسلسل Notes from the Last Row عن طالب جامعي منطوٍ يجد نفسه قريبًا من أستاذ يبدو أكاديميًا هادئًا، لكنه يخفي تاريخًا معقدًا، وأسئلة أخلاقية لا تقل غموضًا عن الكتب التي يدرّسها. ومن...