ما بعد الصافرة الأخيرة


ماذا يتبقى في الملعب الفارغ؟

Author

عبير اليوسفي

ثمة لحظة من انعدام الوزن تصيب المشاهد فور انطلاق صفارة النهاية في المباراة الختامية. للوهلة الأولى، يبدو الأمر مجرد انقضاء لحدث رياضي مدته شهر؛ لكن التجربة النفسية تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا. إنها الاستكانة المفاجئة التي تغمر المكان بعد صخب طويل، وتشبه إلى حد تطابق مذهل ذلك الفراغ الوجودي الذي يتملكك حين تطوي الصفحة الأخيرة من رواية ضخمة عاشرت شخصياتها لأسابيع. في كلتا الحالتين، لا يتصل الحزن بالطريقة التي انتهت بها الحكاية سواء انتهت بتتويج البطل أو بصرعِه، لكنه ينبع من استيعاب العقل لحقيقة أن العالم الموازي الذي شُيِّد بعناية قد انهار فجأة. لقد خلعنا المؤقت، وعُدنا إلى الزمن العادي يا صديقي.


كان الأديب الأوروغوياني إدواردو غاليانو ينظر إلى كرة القدم باعتبارها إحدى آخر المساحات المتبقية في العالم الحديث المخصصة للشغف المجرد والتسلية البحتة، مساحة تقاوم عقلنة الحياة اليومية وصارمتها. يصنع المونديال جغرافية زمنية بديلة؛ ينشئ تقويمًا جديدًا يُقاس بأسابيع البطولة ومواعيد المواجهات، بعيدًا عن الالتزامات الروتينية. يمارس نوعًا من الهيمنة اللطيفة على اليوم، فيمنحه مركزًا وثقلًا. ولهذا السبب يعاقبنا انقضاؤه بسعادة مستقطعة؛ إذ نجد أنفسنا فجأة بلا بوصلة لترتيب المساء، تمامًا كما يحدث لمن يغلق مجلدًا ضخمًا ليجد أن الشخوص الذين تعود على صراعهم وأنفاسهم كل ليلة قد تبخروا في العدم.


كرة القدم في جوهرها، كانت هي النص الوحيد الذي يُكتب ويُقرأ في اللحظة ذاتها. سردية لا تمتلك سيناريو محكمًا، بل تُنتج حبكتها أمام أعيننا عبر المصادفة، الشجاعة، وانكسار الأمل. ونتابعها كما نتتبع البطل التراجيدي وهو يتعثر في خطوته الأخيرة، ونتأمل صعود الشخصية الثانوية التي تخطف الضوء في الدقيقة التسعين. هي الانغماس ذاته في التفاصيل الصغيرة، والتعلق الكثيف بطقس المشاهدة الذي يجعل من الغياب القادم تجربة شنيعة في مفاجأتها.

وقد يكون الشيء الأجمل الذي حظيت به هو انتمائي إلى جيل التسعينيات، فئة تاريخية فريدة في سوسيولوجيا المشاهدة؛ فهو الجيل الذي شهد التحول المفصلي في عالم الكرة. عشنا في المساحة الفاصلة بين رومانسية اللعبة القديمة وشراسة التسقيع التجاري الحديث. نوعًا من أساطير إغريقية تتصارع على العشب، نشجعها بروح رياضية نابعة من تقدير الفن الخالص. كانت اللعبة تترك مساحة للهواية، للفردانية، وللأناقة الشخصية للاعبين الذين نحفظ حركاتهم. أن تكون من ذلك الجيل يعني أنك شهدت العصر الذي كانت فيه كرة القدم تُستمتع بها كفن جميل، بعيدًا عن صناعة ترفيهية محسوبة بدقة الآن.

إذًا ماذا يتبقى في الملعب الفارغ؟

يقول غاليانو إنه عندما تنتهي المباراة وتُطفأ أضواء الاستاد، ويغادر الملعب آلاف المشجعين، يبقى الإستاد فارغًا وشاحبًا، بينما يجلس هو في المدرجات المهجورة، يبحث في الهواء عن أي أثر لبقية مباراة جيدة تُعيده إلى الحياة. هذا الفراغ الذي يخلفه المونديال هو حنين رائع للقدرة على الانغماس الوجداني الكامل. شيء مثل الروايات العظيمة بأننا ما زلنا قادرين على التعلق، وعلى البكاء من أجل مجريات لا تمس حياتنا المباشرة، وعلى الشعور بالدهشة وسط عالم يزداد جفافًا.

صحيح أن المسرح قد أُغلق، وأننا عدنا إلى طاحونة روزنامتنا العادية، لكن عزاءنا الوحيد هو أننا كنا هناك، ومعنا حكاية جديدة نتحدث عنها.


أوقاتكم سعيدة ❤️

ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

من آلام فرتر إلى فاوست👓 عبير اليوسفي ١٥ يوليو ٢٠٢٦ قبل أيام، انتهيت من مشاهدة مسلسل متوفر على منصة نيتفليكس تصدر المشهد على المنصات، واستوقفني فيه العبور الأدبي لغوته. نادرًا ما يفاجئنا مسلسل درامي بإحالة أدبية كهذه غير متوقعة. فعندما يستعين عمل معاصر بكتاب كُتب قبل قرون، فإنه يمنحك مفتاحًا آخر لقراءة شخصياته. يحكي مسلسل Notes from the Last Row عن طالب جامعي منطوٍ يجد نفسه قريبًا من أستاذ يبدو أكاديميًا هادئًا، لكنه يخفي تاريخًا معقدًا، وأسئلة أخلاقية لا تقل غموضًا عن الكتب التي يدرّسها. ومن...

عن حيلة العاجز ⚽️ 🤯 عبير اليوسفي ٨ يوليو ٢٠٢٦ رغم أنني لم أتابع مواجهة السبت الماضي بين فرنسا وباراغواي بثًا مباشرًا، إلا أن العالم الافتراضي لم يترك لي خيارًا للهروب؛ فقد غمرت الإنترنت موجة عارمة من المقاطع التي ركزت على الاحتكاكات العنيفة والمشادات المستمرة بين اللاعبين. بدا واضحًا أن المنتخب الباراغواني لتعويض الفوارق الفنية الشاسعة، قرر خوض معركة نفسية تهدف إلى تشتيت تركيز خصمه واستفزازه. تختزل الدقيقة التاسعة والستون تفاصيل المشهد بأكمله؛ ففور احتساب ركلة جزاء لصالح فرنسا، اندفع عدد من...

❤️🩹معضلة الصفح الفيلسوف جاك دريدا عبير اليوسفي ١ يوليو ٢٠٢٦ ثمة أخطاء يطويها الزمن من تلقاء نفسه، حتى يبدو الغفران مجرد كلمة تمنح ما حدث خاتمة مهذبة. وثمة أخطاء أخرى تبقى حاضرة رغم مرور السنوات، كأنها ترفض أن تتحول إلى ذكرى. عندها لا يعود الغفران مسألة أخلاقية بسيطة، ولا فضيلة يمكن التوصية بها بسهولة. فما الذي نعنيه حين نطلب من إنسان أن يغفر؟ هل نطلب منه تجاوز الألم؟ أم نطلب شيئًا أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؟ قبل أيام توقفت عند فكرة للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا يقلب المسألة رأسًا على عقب. يقول:...