من آلام فرتر إلى فاوست👓
عبير اليوسفي
١٥ يوليو ٢٠٢٦
قبل أيام، انتهيت من مشاهدة مسلسل متوفر على منصة نيتفليكس تصدر المشهد على المنصات، واستوقفني فيه العبور الأدبي لغوته. نادرًا ما يفاجئنا مسلسل درامي بإحالة أدبية كهذه غير متوقعة. فعندما يستعين عمل معاصر بكتاب كُتب قبل قرون، فإنه يمنحك مفتاحًا آخر لقراءة شخصياته.
يحكي مسلسل Notes from the Last Row عن طالب جامعي منطوٍ يجد نفسه قريبًا من أستاذ يبدو أكاديميًا هادئًا، لكنه يخفي تاريخًا معقدًا، وأسئلة أخلاقية لا تقل غموضًا عن الكتب التي يدرّسها. ومن خلال هذا اللقاء يبدأ العمل في تفكيك علاقة المعرفة والموهبة بالطموح، والحقيقة بما يختاره الإنسان أن يخفيه عن الآخرين. ومع تقدم الحلقات، يتحول المسلسل من دراما جامعية إلى لعبة نفسية تعتمد على الشك، وتدفع المشاهد إلى إعادة النظر في دوافع كل شخصية، دون أن تمنحه إجابات سهلة
يبدأ اللقاء بين الطالب ومعلمه بنقاش حول رواية « آلام فرتر» التي كتبها غوته في القرن الثامن عشر، ثم تختتم الحلقة الأخيرة بلقاء آخر يحمل فيه أحدهما نسخة من «فاوست». قد تبدو الإشارتان مجرد استعراض ثقافي أو تحية لكاتب كلاسيكي، لكنهما في الحقيقة أقرب إلى مفتاح سري وضعه الكاتب منذ البداية، ثم أعاد استخدامه في النهاية ليقول إن ما شاهدناه بعيدًا عن صراع بين أستاذ وطالب، هو رحلة إلى داخل النفس البشرية، وهي الرحلة ذاتها التي انشغل بها غوته طوال حياته.
في الحلقة الأولى، كان اختيار «آلام فرتر» في المشهد الأول الذي جمع الطالب والبروفيسور ليس اختيارًا محايدًا. فهذه الرواية لم تخلّد غوته لأنها تحكي قصة حب تعيسة، لكن لأنها كشفت كيف تستطيع مشاعر الغيرة، المقارنة، والحسرة على حياة يمتلكها الآخرون، أن تبتلع الإنسان كله. كانت هذه المشاعر عند فرتر تتحول إلى طريقة كاملة في النظر إلى العالم. يصبح الإنسان أسيرًا لما ينقصه، حتى يفقد القدرة على رؤية ما يملكه.
ولهذا تبدو الرواية مدخلًا مناسبًا لعالم المسلسل؛ عالم يتصارع فيه أشخاص يحملون طموحات مؤجلة، ورغبة في الاعتراف، وحسدًا يمتد إلى المكانة والموهبة والحب. فالمشكلة ليست وجود الغيرة، فهذه عاطفة إنسانية، لكن في اللحظة التي تتحول فيها إلى عدسة يرى الإنسان العالم من خلالها.
لا يبقى المسلسل عند حدود فرتر وحده، لكنه يتقدم ليعقد صفقة فاوستية غير معلنة بين الأطراف؛ إذ يتقاطع الطموح الأكاديمي الشرس في المجتمع الكوري المعاصر، المحكوم بضغوط هائلة نحو النجاح والكمال، مع روح التراجيديا الألمانية. يعود غوته مرة أخرى في المشهد الأخير، هذه المرة عبر رواية «فاوست» التي جعلت الإنسان كائنًا لا يكتفي أبدًا حتى لو امتلك العالم كله. ينهار فاوست لأنه يريد أكثر من اللازم. المعرفة لا تكفيه، والنجاح لا يشبعه، وكل إنجاز يتحول إلى محطة مؤقتة نحو رغبة جديدة. تمامًا كما يحدث داخل هذه الأروقة الجامعية حيث تتحول مثالية الشعارات إلى غطاء لصراع براغماتي على النفوذ والسلطة الأخلاقية. لكن، من يجسد دور الشيطان "ميفيستوفيليس" الذي يغوي الآخر؟ هل الأستاذ العجوز-الذي يشبه فاوست في خريف عمره وهو يبحث عن شعلة شاب يعيد بها إحياء مجده الآفل-هو الذي يغوي تلميذه بالخلود الأدبي والاعتراف؟ أم رغبة الطالب الشاب الدفينة؟. لذا كان من المناسب استحضارها بعد خمس حلقات. فالمسلسل يبدأ بعمل أدبي عن الانفعال، وينتهي بعمل أدبي عن الشغف الذي لا يعرف حدًا. وأظن أن الكاتب يرسم تطورًا داخليًا لشخصياته، أو ربما يلمح إلى أن الإنسان لا يتخلص من هواجسه، لأنه يبدل أشكالها. تنتهي معركة، لتبدأ أخرى.
الأجمل أن هذا الانتقال يعكس أيضًا رحلة غوته نفسه. فقد كتب «آلام فرتر» وهو شاب، بينما ظل يكتب «فاوست» قرابة ستين عامًا حتى اكتملت قبل وفاته. بين العملين ثمة انتقالًا من أدب يراقب العاطفة إلى أدب يراقب الوجود نفسه. هذا النضج هو ذاته الذي يرسمه مخرج العمل لشخصياته التي تبدل أشكال هواجسها مع تقدم الحلقات، فتنتقل من معركة المشاعر الذاتية المشتعلة إلى التساؤلات الوجودية الكبرى حول ثمن النجاح والموت المجازي للبراءة والأمانة الفكرية.
لذلك يصعب النظر إلى حضور غوته في المسلسل كزينة ثقافية، فالإحالات الأدبية الناجحة تُستخدم لتوسيع أفق القراءة. يستطيع المشاهد أن يتابع الأحداث كلها دون أن يكون قد قرأ سطرًا واحدًا من غوته، لكن من يعرف «فرتر» و«فاوست» سيلاحظ أن الكاتب وضع عمله داخل تقليد أدبي أقدم، وأن الشخصيات تتحاور بصمت مع شخصيات خرجت من الأدب الألماني قبل أكثر من مئتي عام. وربما لهذا السبب اختير غوته تحديدًا دون غيره. لأنه من أكثر الكتّاب انشغالًا بذلك التناقض الذي لا يفارق الإنسان، حاجته إلى الاعتراف وخوفه من الفشل، والثمن الذي قد يدفعه وهو يحاول أن يصبح أكثر مما هو عليه. وبعيدًا عن أن تكون هذه أسئلة ألمانية، أو أسئلة تعود إلى القرن الثامن عشر، تكون أسئلة ما تزال تعيد إنتاج نفسها في كل عصر حتى داخل مسلسل كوري معاصر.
ولعل أجمل ما فعله المسلسل أنه جعل من غوته رفيقًا صامتًا لرحلة شخصياته؛ بدأ معه ثم عاد إليه، ليؤكد إن الأدب مرآة نجلس أمامها لنرى أسئلتنا بوضوح جليّ.