عن حيلة العاجز ⚽️ 🤯
عبير اليوسفي
٨ يوليو ٢٠٢٦
رغم أنني لم أتابع مواجهة السبت الماضي بين فرنسا وباراغواي بثًا مباشرًا، إلا أن العالم الافتراضي لم يترك لي خيارًا للهروب؛ فقد غمرت الإنترنت موجة عارمة من المقاطع التي ركزت على الاحتكاكات العنيفة والمشادات المستمرة بين اللاعبين. بدا واضحًا أن المنتخب الباراغواني لتعويض الفوارق الفنية الشاسعة، قرر خوض معركة نفسية تهدف إلى تشتيت تركيز خصمه واستفزازه.
تختزل الدقيقة التاسعة والستون تفاصيل المشهد بأكمله؛ ففور احتساب ركلة جزاء لصالح فرنسا، اندفع عدد من لاعبي باراغواي نحو نقطة الجزاء، وبدأوا بنبش العشب والعبث بالأرض التي ستنطلق منها الكرة بعد لحظات. سبق هذا التصرف وتبعه وابل من الاحتكاكات البدنية والاستفزازات اللفظية المستمرة، في محاولة واضحة لتحويل ركلة الجزاء من اختبار للمهارة الكروية إلى معركة لكسر الثبات الانفعالي.
هذه ليست ظاهرة جديدة في كرة القدم. يكفي أن نستعيد نهائي كأس العالم 2006، حين نجح استفزاز ماركو ماتيراتزي في جرّ زين الدين زيدان إلى أشهر نطحة في تاريخ اللعبة، ليخسر زيدان السيطرة على استجابته. ولم يكن ذلك الهدف الوحيد للمستفِز، فالاستفزاز بجانب أنه يسعى إلى تغيير نتيجة، أيضًا إلى تغيير الحالة الذهنية للاعب كله. لكن، لماذا يستفز الإنسان خصمه أصلًا؟
في كثير من الأحيان، لا يلجأ المرء إلى الاستفزاز لأنه الأقوى، لكن لأنه أدرك أن ميدان المنافسة الحقيقي لن يمنحه أي أفضلية. وحين يعجز عن مجاراة خصمه في ملعب المهارة، يحاول تغيير قواعد اللعبة ذاتها؛ فإن كانت المعركة معركة تمريرات، نقلها إلى الأعصاب، وإن كانت منافسة في الأفكار، حوّلها إلى صراع أشخاص، وإن كانت سباقًا في الإبداع، استسهل تشويه المبدع بدلًا من مجاراته. ليصبح الاستفزاز اعترافًا ضمنيًا بقوة الخصم؛ فالواثق بأدواته لا يحتاج إلى تعطيل أدوات الآخرين، أما الذي يخشاها فلا يرى سبيلًا للنجاة سوى بإفسادها.
وفي علم النفس الرياضي، يعرف المختصون حالة ذهنية يطلق عليها التدفق؛ تلك اللحظة الصوفية التي يندمج فيها الرياضي في أدائه حتى يصبح الجسد والعقل وكأنهما يعملان بإيقاع واحد. في هذه الحالة تتراجع الضوضاء الخارجية، ويصبح التركيز كاملًا على المهمة. والاستفزاز في جوهره محاولة لكسر هذه الحالة. ليس مطلوبًا أن تتفوق على خصمك، يكفي أن تمنعه من الوصول إلى أفضل نسخة من نفسه. لذلك فإن المستفِز لا يريد أن يجعلك غاضبًا فقط، بل يريد أن يعيد ترتيب أولويات عقلك. أن تنشغل بالإهانة بدل الكرة وبدل الهدف الذي جئت من أجله. وحين ينجح في ذلك، يكون قد نقل المباراة إلى ملعب يفضله.
هذه الآلية لا تخص الرياضة وحدها. كم مرة شاهدناها في النقاشات الفكرية؟ حين يعجز أحدهم عن مناقشة الفكرة، يبدأ في استفزاز صاحبها. فجأة يصبح الحديث عن النوايا بدل الحجج. ويجد الكاتب نفسه يدافع عن ذاته، بعدما كان يدافع عن فكرته. وفي بيئات العمل أيضًا، قد يصبح التشويش على صاحب الكفاءة أسهل من منافسته. وفي العلاقات الإنسانية، قد يحاول أحد الطرفين دفع الآخر إلى الغضب، لأنه يعرف أن الإنسان الغاضب يرتكب أخطاء لا يرتكبها وهو هادئ. ولهذا فإن الاستفزاز وسيلة ومحاولة لجعل الخصم يهزم نفسه بنفسه.
ولعل الأدب الكلاسيكي فهم هذه اللعبة قبل علم النفس بوقت طويل. ففي عطيل لم يكن ياغو أقوى من عطيل، لكنه كان أكثر قدرة على العبث بعقله. احتاج فقط إلى كلمات صغيرة، وشكوك متراكمة، حتى أصبح عطيل هو من يتولى تدمير حياته بيديه.
ثمة معضلة أخلاقية تقسمنا دائمًا إلى فريقين: يرى البراغماتيون أن كرة القدم لعبة انتصار محصن بالنتائج، وأن كل وسيلة لا يعاقب عليها القانون هي جزء من الذكاء التنافسي. في المقابل، يرى أنصار الجماليات الرياضية أن المباراة هي اختبار لقيمة المهارة في ذاتها؛ فإذا أصبح الفوز قائمًا على إفساد الخصم لا التفوق عليه، فإن اللعبة -وإن بقيت قانونية- تفقد أثمن ما تملك روحها. وتلك الروح تضيع في اللعب الفني الفاسد، وفي سقوط اللاعبين فريسة للاستفزاز. وقد يكون تذكر الفيلسوف إبيكتيتوس مناسبًا حين قال أن الإنسان يفقد حريته تمامًا عندما تصبح استجاباته ملكًا لغيره. فالذي يستطيع أن يحدد متى تغضب، ومتى تثور، ومتى تفقد تركيزك، هو شخص يشاركك قيادة نفسك بل ويوجهك حيث يشاء. ولعل هذا هو أصعب أنواع الانتصار في الحياة والملاعب معًا، ألا تسمح لخصمك أن يخرجك من ملعب مهاراتك ليدخلك في مستنقع أعصابه.
حتى النشرة القادمة، حافظ على تدفقك، ولا تمنح أحداً ريموت التحكم بأعصابك.👏