"لمن هذه الأغنية؟" 🎶📻
عبير اليوسفي
٢٤ يونيو ٢٠٢٦
قرأتُ منشوراً شاركه صديقي مينا ناجي في صفحته، عن فيلم بعنوان "لمن هذه الأغنية؟"، يتحدث عن تتبع أصول أغنية واحدة يدعي الجميع ملكيتها. تذكرت كيف أننا ملأى بهذا التشابه في التراث الموسيقي في اليمن، وكيف تحاكي جغرافيا النغم لدينا نفس الشتات والجدل الذي وثّقه هذا الفيلم البديع رغم انطلاقه من منطقة البلقان، لكن كان قادرًا على أن يروي جزءًا من قصتنا نحن أيضًا.
في فيلمها الوثائقي الإثنوغرافي "لمن هذه الأغنية؟" (Whose Is This Song?)، تقوم المخرجة البلغارية أديلا بيفا برحلة تتبعية شائكة خلف لحن واحد يتنقل بين دول البلقان (بلغاريا، تركيا، صربيا، اليونان، ومقدونيا). المفاجأة الصادمة في الفيلم كانت في التعصب القومي الذي واجهت به كل ثقافة الثقافات الأخرى؛ فكل شعب يرى أن اللحن نابع من هويته الخالصة، بل إن الأمر يصل أحيانًا إلى حد الشجار ونفي الآخر.
هذه الفلسفة الإقصائية للملكية الفنية تدفعني إلى تأمل واقع التراث الموسيقي في اليمن، أو هذا ما فكر فيه عقلي وأنا أقرأ المنشور. فالأغنية اليمنية تاريخيًا لم تكن مجرد نتاج محلي مغلق، كانت بمثابة مطبخ النغم الرئيسي وشريان الحياة الفنية لمنطقة الجزيرة العربية، والخليج، بل ووصلت أصداؤها إلى شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا مع هجرات الجالية الحضرمية. لهذا لم تكن الأغنية حبيسة حدودها الجغرافية.
عند الاقتراب من التراث الموسيقي اليمني، نجد أننا أمام ظاهرة شديدة الشبه بأطروحة الفيلم. لعقود طويلة ظل هناك جدل صاخب حول هوية الإيقاعات والدانات. أغانٍ شهيرة رسخت في الوجدان العربي بأصوات عمالقة الغناء الخليجي مثل طلال مداح، ومحمد عبده. هي في أصلها ألحان صاغها الوجدان اليمني؛ سواء عبر المدرسة اللحجية برقصاتها الغزيرة، أو الروح الصنعانية بآلة القنبوس، أو الدان الحضرمي الموزون. كأغنية" يا نسيم الصباح" أو "يا نسيم الصبا" التي تعد مثال كلاسيكي على رحلة الأغنية اليمنية. تعود هذه الأغنية الشهيرة إلى أكثر من 300 عام، حيث كتبها ولحنها الشاعر والملحن اليمني يحيى عمر اليافعي (1642-1749م) في منطقة يافع بحضرموت/اليمن. كانت تُغنى في المجالس اليمنية التقليدية بإيقاع يافعي أصيل، ومن أوائل من سجلها وأداها بصوت حديث أحمد عبيد القعطبي في الأربعينيات والخمسينيات في عدن، حيث صدرت على أسطوانات شركات مثل أوديون. في السبعينيات والثمانينيات، انتقلت الأغنية إلى الخليج عبر التسجيلات والمجالس، وغناها محمد عبده بتوزيع حديث أنيق، مما جعلها تنتشر بقوة في الوجدان العربي. غنتها أيضًا عريب حمدان وعدد كبير من الفنانين الخليجيين الآخرين.
اختلطت الأصول بالفروع حتى ظل من الصعب أحيانًا على المستمع العادي أن يميز بين المنبع الأول وبين النسخة التي اشتهرت لاحقا. وليس المقصود هنا إنكار حق الفنانين الذين أعادوا تقديم هذه الأعمال أو تطويرها، فالفن بطبيعته قائم على التفاعل والتجديد، لكن الإشارة إلى أن كثيرًا من المصادر الأصلية تعرضت للتهميش أو النسيان. والمشكلة لا تكمن فقط في السطو الفني أحيانًا تحت مسمى تراث مطور، وحرمان المنبع الأصلي من حقه الأدبي والمادي وضياع الأسماء، لكن في الطريقة التي نتعامل بها مع التراث نفسه. فكثيرًا ما نتصرف وكأن الأغنية قطعة أرض يجب إثبات ملكيتها الحصرية، بينما الحقيقة أن التراث يتشكل عبر قرون من الأخذ والعطاء والتأثير المتبادل.
الموسيقى اليمنية سافرت بلا جواز سفر، وحين استوطنت الحواضر الخليجية أُعيد تقديمها بقوالب حديثة جعلت الأجيال الجديدة تنسب اللحن للموزّع أو المؤدي الجديد، تمامًا كما كان يفعل سكان البلقان في الفيلم.
وحتى داخل الجغرافيا اليمنية المعقدة نفسها، تعيش الأغنية حالة من السيولة. اللحن الواحد قد يولد مرتديًا ثوبًا صنعانيًا موشحًا بالوقار والهدوء، ثم لا يلبث أن ينتقل إلى لحج ليتسارع إيقاعه ويتحول إلى أغنية راقصة ومبهجة، أو يهبط تهامة ليتشرب بالروح الصوفية التهامية. وحتى مع وجود الطائفة اليهودية، اختلطت واندمجت الألحان في نسيج واحد لا يقبل الانفصال. عاش اليهود اليمنيون قرونًا طويلة إلى جوار المسلمين في الحارات والقرى نفسها، فتشاركوا في الأغاني الشعبية والإيقاعات اليومية. كانت النساء اليهوديات والمسلمات يتشاركن أغاني الزفاف والمهاجل بنفس اللهجة اليمنية، وبنفس الألحان التي تتداولها الألسن في المجالس والأعراس. أما الرجال فكان الديوان الحضرمي والصنعاني يجمع بين الشعر العبري والعربي، وتتداخل فيه الأنغام ليصعب أحيانًا تمييز المنشأ الديني. بل إن بعض الأغاني التراثية حفظها اليهود اليمنيون بإخلاص ونقلوه إلى أجيالهم، ثم عادت أصداؤها لتغنى مرة أخرى في التراث اليمني المشترك. ليثبت هذا التداخل أن محاولة حبس الأغنية في نطاق مكاني ضيق هي محاولة فاشلة؛ فالتراث اليمني كتلة وجدانية واحدة تتنفس برئات متعددة. والتنوع ما هو إلا دليل على قدرة التكيف وإعادة إنتاج الذات.
قد تكون القيمة النقدية التي نخرج بها من الفيلم ومن تأمل التراث اليمني، هي أن الموسيقى كائن حي يرفض القيود ويسخر من الحدود السياسية. بينما يحاول السياسيون والمتعصبون تحويل الفن إلى أداة للفصل والادعاء الاستعلائي، تظل الأغنية تثبت أنها الدليل الدامغ على أن الشعوب التي تبدو متفرقة، تتشارك في الوجدان، الذاكرة، الآلام، والأفراح. وقد يلفت النظر عنوان الفيلم «لمن هذه الأغنية؟» قدرته على أن يتحول إلى أداة للإقصاء، فمعرفة الأصول مهمة لحفظ الذاكرة والإنصاف التاريخي، لكنه قد تستخدم تلك الأصول لنفي الآخرين أو حرمانهم من حق التفاعل مع الإرث المشترك.
ومع كل ما مر به اليمن من شتات وحروب وظروف قاسية، يظل حارس الذاكرة النغمية للبلاد المحيطة به. وحين تخرج الأغنية من حنجرة المغني الأول، فإنها لم تعد ملكًا له أو لرقعته الجغرافية؛ لأنها تصبح ملكًا لكل أذن تتذوقها. كما قال الفلاسفة قديمًا بما معناه أن الموسيقى تبدأ حيث تنتهي الكلمات... وحيث تعجز الحدود.