العالم بعد الألفة


حتى لا يصدأ النظر 🪄

Author

عبير اليوسفي

في حياتنا اليومية، تبتلعنا عادة الألفة؛ نمر على الأشياء والأصوات والمشاعر دون أن نراها حقًا، لأن العقل بطبعه يميل إلى تصنيف المألوف واختزاله ليوفر طاقته. فيضع كل ما هو مكرر داخل إطار الاعتياد البارد. تصبح الدهشة عملية إنقاذ مستمرة لأرواحنا من سكتة الألفة، ونزع الغبار عن حواسنا لنرى العالم وكأننا نطالع نوره للوهلة الأولى.

يمتلك الفن هذه القدرة الفريدة على إيقاظ الدهشة. فاللحن الذي سمعناه عشرات المرات، أو الرواية التي نعود إليها بعد سنوات، لا يقدمان لنا المادة نفسها فحسب، بل يعيدان إلينا أنفسنا وقد تغيرت. كان غاستون باشلار يرى أن الخيال يعيد تشكيله عبر ما سماه «أحلام اليقظة الإبداعية». ففي المسافة التي يصنعها الأدب أو الموسيقى بين الواقع والخيال، تتبدل زوايا النظر، وتكتسب الأشياء العادية حياة جديدة، فنرى في المألوف ما لم نكن نراه من قبل.

لكن الظاهرة الأكثر إدهاشًا في التجربة الإنسانية تكمن في ذلك السر الخفي الذي يدفعنا للعودة إلى نفس المكان، أو نفس الطريق، أو تكرار نفس التجربة والحديث مع الشخص نفسه، ومع ذلك تتجدد في داخلنا مشاعر طازجة في كل مرة. ولو كانت التجارب تُقاس فقط بجمود المعلومة أو بمعرفة النهاية، لانتهت قيمة كل شيء بمجرد انقضاء المرة الأولى. لكن التجربة الإنسانية لا تعمل بهذه الميكانيكية، لأنها تخضع لمرونة الشعور الذي يتجدد مع كل استعادة. حين نعود إلى تفصيل عابر نعتقد أننا نعرفه عن ظهر قلب، فنحن نبحث عن تلك الدهشة الساكنة التي تعيد خلق براءة المرة الأولى في ذواتنا؛ فتتغير الزاوية التي نرى منها، ويتغير وضعنا النفسي والروحي الذي يستقبل ذلك الحدث، لنجد أن الشيء ذاته منحنا معنى مختلفًا تمامًا عما أخذناه منه بالأمس.

ولعل ما يسمح للدهشة بأن تتجدد أصلًا هو أن العالم لا يمنحنا نفسه مكتملًا؛ فالقوة الحقيقية التي تبقي شغفنا حيًا تجاه الأشياء تكمن في حقيقة أننا لا نملك الإجابات النهائية لكل شيء، وهي التي تمنحنا شرف المشاركة في بناء المعنى وصناعته بأنفسنا. لأن عدم اكتمال المشهد يترك ثغرات ملهمة يملؤها الخيال والتأمل الخاص، لتصبح الحياة بأسرها رحلة اكتشاف متصلة لا ينطفئ شررها.


قد تكون الدهشة هي قدرتنا على ألا نصل أبدًا إلى نقطة الاكتفاء أو الادعاء بأننا أحطنا بكل شيء علمًا. هي ذلك العهد الصامت الذي نقطعه مع الروح كي لا تتصلب تحت وطأة العادة، وأن نعيش اللحظة بذهول البدايات؛ أن نندهش لقدرة الضوء على تغيير ملامح الغرفة في كل ساعة، لتبدل الفصول في نفس الشارع الذي نسلكه كل يوم، لقدرة اللحظة الواحدة على إعطائنا شعورًا بالاتساع الأبدي. هي الموقف الإنساني الأرفع تجاه الوجود كلّه؛ الموقف الذي يضمن لنا أن نبقى أحياءً بحق، وليس مجرد عابرين يكررون أيامهم بآلية صماء.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

هل شاهدت الفيلم؟ عبير اليوسفي ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ هناك كتب تنتمي إلى زمنها، ثم تصبح وثائق تاريخية. وهناك كتب يحدث معها العكس تمامًا؛ كلما مر عليها الزمن، ازدادت قدرة على تفسير الحاضر. الأوديسة من هذا النوع الثاني. فمن الصعب أن نشاهد فيلمًا جديدًا عنها أو نقرأ رواية تستلهمها دون أن تفكر بشيء بسيط: لماذا لا نتوقف عن العودة إلى هذه الحكاية؟ قد يكون الجواب المعتاد أنها أعظم حكاية عن المغامرة. لكن هذا لا يبدو مقنعًا. لقد امتلأ الأدب بحكايات السفر والبطولات، بينما بقيت الأوديسة وحدها قادرة على أن تعبر...

ماذا يتبقى في الملعب الفارغ؟ عبير اليوسفي ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ثمة لحظة من انعدام الوزن تصيب المشاهد فور انطلاق صفارة النهاية في المباراة الختامية. للوهلة الأولى، يبدو الأمر مجرد انقضاء لحدث رياضي مدته شهر؛ لكن التجربة النفسية تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا. إنها الاستكانة المفاجئة التي تغمر المكان بعد صخب طويل، وتشبه إلى حد تطابق مذهل ذلك الفراغ الوجودي الذي يتملكك حين تطوي الصفحة الأخيرة من رواية ضخمة عاشرت شخصياتها لأسابيع. في كلتا الحالتين، لا يتصل الحزن بالطريقة التي انتهت بها الحكاية سواء انتهت...

من آلام فرتر إلى فاوست👓 عبير اليوسفي ١٥ يوليو ٢٠٢٦ قبل أيام، انتهيت من مشاهدة مسلسل متوفر على منصة نيتفليكس تصدر المشهد على المنصات، واستوقفني فيه العبور الأدبي لغوته. نادرًا ما يفاجئنا مسلسل درامي بإحالة أدبية كهذه غير متوقعة. فعندما يستعين عمل معاصر بكتاب كُتب قبل قرون، فإنه يمنحك مفتاحًا آخر لقراءة شخصياته. يحكي مسلسل Notes from the Last Row عن طالب جامعي منطوٍ يجد نفسه قريبًا من أستاذ يبدو أكاديميًا هادئًا، لكنه يخفي تاريخًا معقدًا، وأسئلة أخلاقية لا تقل غموضًا عن الكتب التي يدرّسها. ومن...