كيف تودعنا الرواية؟ 💬
عبير اليوسفي
١٧ يونيو ٢٠٢٦
يقول الروائي الأمريكي ستيفن كينغ إن الجملة الأولى في أي عمل أدبي هي بمثابة دعوة لتناول العشاء، يمد فيها الكاتب يده للقارئ ليغريه بالدخول.
ولكن، إذا كانت الجملة الأولى هي المغناطيس الذي يجذبنا، فإن الجملة الأخيرة هي الروح التي تبقى معنا بعد أن نغلق الكتاب. في الجملة الأولى نكون مستكشفين تملؤنا الدهشة والفضول، أما عند الجملة الأخيرة فنكون قد تثاقلنا بمصائر الشخصيات وعشنا معهم هزائمهم وانتصاراتهم، لتأتي الكلمة الأخيرة كصدمة كهربائية، أو زفير طويل يحدد المذاق المتبقي في فم القارئ إلى الأبد. وحياكة السطر الأخير في الأدب هي اللحظة التي يقرر فيها الكاتب كيف سينفصل عن قارئ شاركه رحلة روحية كاملة، وكيف سيترك أثرًا لا يمحوه الزمن.
كان الهوس بالكلمات الأخيرة في عمق الوعي الإنساني والميثولوجيا؛ فالأساطير دائمًا ما علّقت أهمية قصوى على العبارة الختامية لبطل أو إله، باعتبارها تلخيصًا للحكمة أو النبوءة.
في الميثولوجيا الإغريقية، نجد أن الكلمات الأخيرة تحمل ثقل القدر. عندما نُفي أوديب وعاش أواخر أيامه في كولونوس، تحولت كلماته الأخيرة إلى وعود غامضة بحماية الأرض التي سيُدفن فيها، كلمات قيل إنها أبهرت الآلهة وجعلت الأرض تبتلعه برفق دون ألم.
أما في الأساطير الاسكندنافية فإن الآلهة والشعراء كانوا يؤمنون بـأغنية البجعة وهي الفكرة الميثولوجية القائلة بأن البجعة التي تعيش صامتة طوال حياتها، تُطلق أجمل وأعذب أغانيها في لحظات احتضارها. هذه الأغنية الأخيرة هي تجسيد لفكرة أن الوداع يجب أن يكون أروع ما يتركه الكائن وراءه.
حتى في التاريخ الممزوج بالأسطورة، تظل جملة يوليوس قيصر الأخيرة وهو يُطعن: "حتى أنت يا بروتوس؟"، والتي خلدها شكسبيير لاحقًا، هي التجسيد الأسمى للخذلان؛ جملة واحدة اختصرت انهيار إمبراطورية كاملة وسقوط مفهوم الثقة.
في الأدب، تُبنى الجملة الأخيرة بعناية فائقة تشبه هندسة الجسور؛ فالكاتب يعلم أن هذه الجملة إما أن ترفع العمل إلى مصاف الخلود أو تهبط به. وتتعدد فلسفات الأدباء في صياغة هذه النهايات. تجد في الأدب الروسي، وتحديدًا عند فيودور دوستويفسكي في روايته الضخمة الإخوة كارامازوف، نموذجاً مذهلاً للجملة الأخيرة. بعد مئات الصفحات من الغوص في مستنقعات الشك، الجريمة، الإلحاد، والصراع النفسي المظلم، يختار دوستويفسكي ألا ينهي الرواية بيأس. ينتهي الكتاب بصوت الأطفال وهم يهتفون بحماس وحب عند قبر الصبي إليوشا "عاش كارامازوف!" كانت إعلان انتصار للإيمان، والتضامن الإنساني على سوداوية العالم.
على النقيض من النهايات المغلقة، تأتي رواية عوليس لـ جيمس جويس، وهي الرواية المعقدة المليئة بالتجريب اللغوي الشاق. ينتهي هذا العمل الضخم بمونولوج داخلي طويل وتدفقي لشخصية "مولي بلوم"، ليكون السطر الأخير: "...ونعم وقلت نعم سأرضى نعم". كلمة "نعم” جويس يشرع الباب على مصراعيه؛ لنهاية تعني قبول فوضى الوجود وتناقضاته، وتحويل النهاية إلى بداية متجددة. لكن بعض السطور الأخيرة تأتي لتعيد صياغة مفهوم الزمن في عين القارئ. في رواية غاتسبي العظيم لـ سكوت فيتزجيرالد، نجد واحدة من أشهر القفلات في تاريخ الأدب. “وهكذا نتقدم، كقوارب تسير عكس التيار، عائدين دون توقف إلى قلب الماضي". ليلخص فيتزجيرالد مأساة الحلم الأمريكي والطبيعة البشرية في سطر واحد.
لطالما كان الحديث عن الجملة الأخيرة مثار جدل وشغف بين الأدباء أنفسهم. الروائي والناقد الإيطالي أومبرتو إيكو، صاحب رواية اسم الوردة، كان يرى أن العنوان والجملة الأخيرة هما بمثابة القوسين اللذين يمنحان النص هويته. ويُروى عنه أنه كان يعيد كتابة الصفحات الأخيرة عشرات المرات ليتأكد من أن الإيقاع الموسيقي للسطر الأخير يترك صدى يشبه رنين الجرس بعد توقفه.
وقد صرح الكاتب الكولومبي ماركيز في أحد حواراته بأنه عندما كتب السطور الأخيرة من مئة عام من العزلة، شعر بالخوف والارتجاف، وبأنه ترك الشخصيات تذوب في الريف وكأنه يودع أفرادًا من عائلته الحقيقية، مؤكدًا أن الجملة الأخيرة يجب أن تكتب بـ "وعي نبي يعرف نهاية العالم".
الجملة الأولى في الرواية قد تأخذنا إلى عالم سحري جديد، لكن الجملة الأخيرة هي التي تقرر ما إذا كنا سنغادر هذا العالم أم سنظل أسرى فيه إلى الأبد. والكاتب العبقري هو من يملك الشجاعة ليزفر نصه الزفير الأخير بطريقة تجعل الصمت الذي يليه صمتًا ممتدًا. صمتًا تبدأ فيه الرواية رحلتها الحقيقية داخل وعي وقارئها.
•ظلال المونديال ⚽️:
يهتف العالم هذه الأيام بكلمة واحدة، تكاد تكون المفردة الأكثر عولمة وتأثيرًا في التاريخ الحديث: "جول". من الملاعب الصاخبة في أمريكا إلى الشوارع الضيقة في آسيا، وصولاً إلى مقاهي العالم العربي، تتردد الكلمة ذاتها بمئات اللهجات واللكنات. والطريف في الأمر أن هذه المفردة التي نبتت من جذور إنجليزية قديمة كانت تعني الحدود أو الغاية، دخلت عالم الرياضة في القرن التاسع عشر مع تطور قوانين كرة القدم في بريطانيا، ثم انتشرت كالنار في الهشيم مع انتشار اللعبة نفسها.
استعارتها معظم لغات الأرض ودمجتها في قاموسها اليومي كما هي، في حين فضلت لغات قليلة الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية، كالفرنسية بكلمة But، والألمانية بكلمة Tor.
ربما لا يوجد حدث سياسي، ثقافي، أو اجتماعي قادر على توحيد حنجرة البشرية فوق قاسم مشترك واحد كما تفعل كرة القدم. فبينما تختلف شعوب الأرض في تسمية المبادئ والأشياء الأكثر قرباً من الوجود ، يكفي أن تهتز تلك الشباك حتى يتلاشى صراع اللغات والاختلافات العرقية في ثانية واحدة.