الغفران وما لا يغتفر


❤️‍🩹معضلة الصفح

Author

عبير اليوسفي

ثمة أخطاء يطويها الزمن من تلقاء نفسه، حتى يبدو الغفران مجرد كلمة تمنح ما حدث خاتمة مهذبة. وثمة أخطاء أخرى تبقى حاضرة رغم مرور السنوات، كأنها ترفض أن تتحول إلى ذكرى. عندها لا يعود الغفران مسألة أخلاقية بسيطة، ولا فضيلة يمكن التوصية بها بسهولة. فما الذي نعنيه حين نطلب من إنسان أن يغفر؟ هل نطلب منه تجاوز الألم؟ أم نطلب شيئًا أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؟

قبل أيام توقفت عند فكرة للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا يقلب المسألة رأسًا على عقب. يقول: إذا كان الذنب قابلًا للغفران بسهولة، فما الحاجة إلى الغفران أصلًا؟ فالغفران الحقيقي يواجه ما يبدو أكبر من أن يُسامح عليه. ليتحول من فضيلة مريحة إلى معضلة فلسفية.
لم يحتج الإنسان عبر تاريخه إلى الغفران كي يتجاوز الإساءات العابرة. ما أرّقه دائمًا هو ما بدا عصيًا على التجاوز. الخيانة، القتل، الظلم، الحروب، والجراح التي لا ينجح الزمن في محو آثارها. ليكون الغفران من أكثر الأسئلة الإنسانية تعقيدًا: هل يستطيع البشر أن يعيشوا مع ما لا يمكن إصلاحه؟

تدرك الأساطير القديمة هذه المعضلة جيدًا. ففي قصة أوريست اليونانية، يقتل الابن أمه انتقامًا لأبيه، فتطارده ربات الانتقام. معرفة من المخطئ ومن المصيب كان غير مهم، فكل طرف يحمل حجته الخاصة. كانت المعضلة الأهم تتعلق بمصير العنف نفسه، إذا كان كل ظلم يستدعي ظلمًا مضادًا، وكل دم يستدعي دمًا آخر، فأين تتوقف السلسلة؟، لتبدو العدالة شبيهة بدائرة مغلقة، وكل محاولة لإصلاح الجرح تفتح جرحًا جديدًا.

في جوهره، كان الغفران محاولة لإنقاذ المستقبل من قبضة الماضي، بعيدًا عن أنه نقيض العدالة كما يُظن أحيانًا. فالانتقام يتطلع دائمًا إلى الوراء، إلى ما حدث بالفعل، بينما يتطلع الغفران إلى ما سيأتي بعد ذلك. لا يملك القدرة على تغيير الواقعة، لكنه يحاول منعها من الاستمرار إلى ما لا نهاية. لكن هذا الإنقاذ للمستقبل يصطدم فورًا بفكرة الأخلاق والسلطة، فمَن يملك أصلًا الحق في أن يغفر؟. فحين تنتقل الجرائم من فضاء الأفراد إلى فضاء التاريخ، يتشظى الحق في العفو. الدولة، أو المحاكم، أو حتى الأجيال القادمة الممتلئة بالرفاهية، لا تستطيع أن توقّع صك الغفران نيابة عن الضحايا الذين غُيبوا تحت التراب، لأن الغفران بالنيابة قد يتحول أحيانًا إلى جريمة ثانية بحق الضحية، نوع من المصادرة الأبوية لألم لا يمكن لغير صاحبه تقدير حجمه.

في الفلسفة الوجودية، يُعَد ألم الضحية ملكية خاصة لا يجوز تأميمها لصالح السلم الأهلي أو الاستقرار السياسي. إذا غفرت المجموعة دون إذن الضحية، فإنها تقوم بالتغطية على الجرح مجازيًا لكي تستمر القافلة في السير، وهو ما يجعل هذا النوع من الغفران تصرفًا سياسيًا نفعيًا.

هذا المأزق التاريخي تجلى في أقصى صور تناقضه عبر سياقين مختلفين؛ ففي إسبانيا بعد رحيل الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو عام 1975، اختار المجتمع ما عُرف بميثاق النسيان (Pacto del Olvido)، حيث اتفقت القوى السياسية على طي صفحة الجرائم ودفن إرث الحرب الأهلية دون محاسبة أو نبش للقبور، بدافع حماية الانتقال الديمقراطي. كان غفراناً قسرياً فرضته الدولة عبر النسيان الممنهج وتجميد الذاكرة، وهو ما يمثل النقيض التام لتجربة جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري. هناك، لم يقم الخيار على النسيان أو على شعار “عفا الله عما سلف” بمعناه السطحي، لكن اشترطت لجنة الحقيقة والمصالحة أن يقف الجلاد في مواجهة الضحية، ليعترف بالذنب كاملاً ويسرد التفاصيل العارية دون مواربة، أو طمس الذاكرة.

وهذا أكثر ما يثير الاهتمام في فكرة الغفران بعيدًا عن علاقته بالسياسة أو التاريخ، هي علاقته بالذاكرة. ثمة وهم شائع بأن الغفران هو هدية نقدّمها للمذنب مكافأة له أو تخفيفًا عن ضميره. لكن القراءة السيكولوجية تخبرنا بالعكس تمامًا، فهو المصلحة الأنانية الاسمى للضحية. طالما أنك مسكون برغبة الانتقام، وطالما أن الكراهية هي المحرك الأساسي لأفكارك، فأنت لا تزال مرتبطًا بجلادك بحبل سري غليظ. لأنك تمنحه القوة والسيطرة على حاضرك ومستقبلك كما كان يملكها في ماضيك. الانتقام يجعلك تدور في فلك الجلاد، وتقتات على نفس طاقته السلبية. أما الغفران فهو إعلان استقلال الضحية. قرار قطع هذا الحبل السري لرغبة في تحرير الذات من أن تظل رهينة للأبد في زنزانة الألم الذي تسبب فيه الآخر.

كثيرًا ما يخلط بين الغفران والنسيان، مع أنهما متعارضان تقريبًا. النسيان يأتي مع الزمن، أما الغفران فيحدث حين يبقى الجرح معروفًا ومسمّى وحاضرًا في الذاكرة ولهذا يبدو أصعب مما نتخيل. لا يمحو الماضي، ولا يعيد الضحايا، ولا يلغي الخسارات، ولا يحول الخطأ إلى صواب. يترك الوقائع في مكانها، بكل قسوتها وثقلها، ثم يقول لك: ماذا سنفعل بها الآن؟.

لهذا السبب احتفى الأدب بهذا السؤال أكثر من احتفاء الفلسفة به. فالأدب يعرف أن الإنسان يعيش داخل الوقائع وذكرياتها أيضًا. بعض الجراح تتحول إلى جزء من الهوية، وبعض الخسارات تستقر في أعماقنا حتى بعد عقود من وقوعها. لكن الغفران الحقيقي لا يطلب منا أن ننكر هذا، بل أن نمنع هذا الألم من أن يحكم ما تبقى من حياتنا.

قد يبدأ الغفران تحديدًا عندما يبدو مستحيلاً. عند تلك الحافة الدقيقة، حيث يقف الإنسان بين ذاكرة لا يستطيع التخلي عنها، ومستقبل لا يستطيع العيش بدونه. وقد يكون إعادة ترتيب لتراتبية الألم؛ حيث يتوقف الجرح عن كونه سلطة معرفية تحكم الوجود، ليصبح مجرد حدثٍ مُؤرشف في الذاكرة.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

"لمن هذه الأغنية؟" 🎶📻 عبير اليوسفي ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ قرأتُ منشوراً شاركه صديقي مينا ناجي في صفحته، عن فيلم بعنوان "لمن هذه الأغنية؟"، يتحدث عن تتبع أصول أغنية واحدة يدعي الجميع ملكيتها. تذكرت كيف أننا ملأى بهذا التشابه في التراث الموسيقي في اليمن، وكيف تحاكي جغرافيا النغم لدينا نفس الشتات والجدل الذي وثّقه هذا الفيلم البديع رغم انطلاقه من منطقة البلقان، لكن كان قادرًا على أن يروي جزءًا من قصتنا نحن أيضًا. فيلم لمن هذه الأغنية في فيلمها الوثائقي الإثنوغرافي "لمن هذه الأغنية؟" (Whose Is This...

كيف تودعنا الرواية؟ 💬 لوحة موت القيصر عبير اليوسفي ١٧ يونيو ٢٠٢٦ يقول الروائي الأمريكي ستيفن كينغ إن الجملة الأولى في أي عمل أدبي هي بمثابة دعوة لتناول العشاء، يمد فيها الكاتب يده للقارئ ليغريه بالدخول. ولكن، إذا كانت الجملة الأولى هي المغناطيس الذي يجذبنا، فإن الجملة الأخيرة هي الروح التي تبقى معنا بعد أن نغلق الكتاب. في الجملة الأولى نكون مستكشفين تملؤنا الدهشة والفضول، أما عند الجملة الأخيرة فنكون قد تثاقلنا بمصائر الشخصيات وعشنا معهم هزائمهم وانتصاراتهم، لتأتي الكلمة الأخيرة كصدمة...

شياطين الشعراء 👿👹 عبير اليوسفي ١٠ يونيو ٢٠٢٦ كان العربي القديم يرى في الشعر سرًا لا يشبه سائر الكلام. فما الذي يجعل رجلًا يجلس في طرف الصحراء، لا يملك سيفًا ولا جيشًا قادرًا بكلمات قليلة على إشعال خصومة بين القبائل أو إطفائها؟ وكيف تستطيع أبيات تُولد في ليلة عابرة أن تبقى حيّة بعد رحيل صاحبها بقرون؟ لم يجد أسلافنا تفسيرًا لهذه القدرة سوى نسبتها إلى قوة خفية ترافق الشاعر وتهمس له بالمعاني. فالأعشى كان له شيطان يدعى «مسحل بن جندل»، وامرؤ القيس له «لافظ بن لاحظ»، وعبيد بن الأبرص له «هبيد بن...