كيف قرأ هتلر؟


عن القارئ الانتقائي 📕 👓

Author

عبير اليوسفي

هل كان هتلر سيُتأثر بشوبنهاور ونيتشه لو لم يكونا ألمانيين؟

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت أوروبا حالةً من الغليان الفكري والسياسي؛ كانت النظريات العرقية تنتشر، فيما أخذت فكرة القائد القوي تجد لها مكانًا في مجتمعات أنهكتها الحروب والأزمات الاقتصادية. وسط هذا المناخ برز أدولف هتلر كقارئ نهم، لكن قراءته كانت بعيدة جدًا عن قراءة فيلسوف أو مفكر يبحث عن الحقيقة، كانت انتقائية يلتقط منها ما يخدم مشروعه السياسي، ومعاداة للسامية.

كان هتلر سياسيًا عمليًا يبحث عن تبرير فكري لطموحه اللامحدود. ثقافته الفلسفية كانت سطحية في كثير من الأحيان، يقرأ ليستخرج شعارات قوية يحولها إلى دعاية جماهيرية. ومع ذلك، شكّلت بعض الأفكار أساسًا لأيديولوجيته، سواء أتت من داخل ألمانيا أو خارجها.

تأثر بـ آرثر شوبنهاور بشكل واضح. ويُقال إنه حمل كتاب «العالم إرادة وتمثلًا» معه خلال الحرب العالمية الأولى. أكثر ما جذبه فيه فكرة الإرادة بوصفها القوة الأساسية المحركة للعالم. هذه الفكرة انسجمت مع شخصية هتلر الذي كان يؤمن بأن الشعوب تُقاد بالعاطفة والإرادة الجماعية أكثر مما تُقاد بالعقل. لكنه لم يأخذ من شوبنهاور بعده الفلسفي أو تشاؤمه الوجودي، فقد استخرج من أفكاره ما يناسب صورته عن القوة والحسم.

أما فريدريش نيتشه فقصته مع النازية أكثر تعقيدًا. استخدم النازيون مفاهيم مثل «الإنسان الأعلى» و«إرادة القوة» لتبرير فكرة التفوق العرقي والزعيم الفرد، مع أن نيتشه نفسه كان ناقدًا للقومية الضيقة ومعاداة السامية. المشكلة أن أفكاره تعرضت لاحقًا لتشويه واسع، خصوصًا عبر شقيقته إليزابيث التي أعادت ترتيب بعض نصوصه بما يخدم النزعة القومية الألمانية. حتى إن بعض المؤرخين يشككون أصلًا في أن هتلر قرأ نيتشه قراءة حقيقية، ويرجحون أنه تلقاه عبر الاقتباسات المتداولة والخطاب القومي أكثر من قراءته المباشرة. نيتشه نفسه كان يحتقر القومية الضيقة والعنصرية البيولوجية، لكنه أصبح نبيًا للنازية بعد تحريف أفكاره.

المثير أنه رغم التركيز الدعائي على العبقرية الألمانية، كانت أبرز التأثيرات العملية على الأيديولوجيا النازية قادمة من خارج الحدود الألمانية . هيوستن ستيوارت تشامبرلين، الكاتب البريطاني الذي أصبح ألمانيًا بالتبني، يُعد أحد أهم المؤثرين على الإطلاق. شكّل الكثير من النظرية النازية حول التفوق الآري والخطر اليهودي. زاره هتلر واعتبره مبشر النازية. وأرثر دي غوبينو الفرنسي، قدم في كتابه مقال في عدم المساواة بين الأجناس البشرية، أساس نظرية التفوق العرقي وخطر اختلاط الأجناس، وهي فكرة أصبحت مركزية في النازية.

حتى ذائقة هتلر الأدبية لم تكن محصورة بالألمان. أحب ويليام شكسبير إلى درجة أنه فضّله أحيانًا على غوته، وتأثر بروايات كارل ماي عن الغرب الأمريكي، كما قرأ هنري فورد وتأثر بخطابه المعادي للسامية، واطلع على كتابات توماس كارلايل وجوناثان سويفت وميغيل دي ثيربانتس. وحتى أفكار تشارلز داروين أثرت بشكل غير مباشر عبر ما عُرف لاحقًا بـالداروينية الاجتماعية.

كل هذا يكشف أن النازية لم تكن نتاج عبقرية ألمانية خالصة كما حاولت دعايتها أن تصور، وإنما كانت خليطًا أوروبيًا واسعًا من الأفكار القومية والعنصرية والنظريات الاجتماعية المتطرفة التي كانت شائعة في ذلك العصر. ألمانيا المهزومة بعد معاهدة فرساي كانت فقط الأرض الأكثر قابلية لتحويل هذه الأفكار إلى مشروع سياسي شامل.

اللافت أن الرجل الذي ارتبط اسمه بحرق الكتب كان يمتلك مكتبة ضخمة تضم آلاف الكتب. وقد تناولت عدة مقالات هذه المفارقة، مستندة غالبًا إلى كتاب Hitler’s Private Library للمؤرخ تيموثي رايباك، الذي درس مكتبة هتلر الخاصة وعاداته القرائية. فهتلر لم يكن عدوًا للكتب بقدر ما كان عدوًا للأفكار التي لا تخضع لأيديولوجيته. كان يقرأ كتابًا واحدًا على الأقل كل ليلة، وغالبًا ما كان يستمر في القراءة حتى ساعات الفجر الأولى. ووفقًا لشهادات سكرتيرته تراودل يونغه وآخرين من مقربيه، حافظ على هذه العادة حتى أيامه الأخيرة داخل ملجأ الفوهرر في برلين عام 1945.

أعود مجددًا إلى السؤال المطروح، هل كان هتلر سيتبنى أفكار آرثر شوبنهاور وفريدريش نيتشه لو لم يكونا ألمانيين؟

تبدو الجنسية مسألة ثانوية. لو كان شوبنهاور هولنديًا أو نيتشه سويسريًا، فالأرجح أن هتلر كان سيجد فيهما ما يريده أيضًا. المشكلة كانت في قارئ يقتطع الأفكار من سياقها الإنساني والأخلاقي، ثم يعيد استخدامها داخل آلة سياسية ضخمة. فالأفكار حين تُنتزع من معناها الأصلي يمكن أن تتحول من محاولة لفهم العالم إلى وسيلة لتبرير العنف وتدمير العالم نفسه.


تتوقف النشرة قليلًا لفسحة العيد، ثم تعود إليكم بعده.

دمتم بخير ❤️

ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

في نسيج بينلوبي🧶⏳ لوحة بينلوبي للرسام جون ووترهاوس. تظهر بينلوبي وهي تغزل بالنول والخُطاب من خلفها عبير اليوسفي ١٣ مايو ٢٠٢٦ في إحدى أغنياتها، تقول فيروز إنها تحترف الحزن والانتظار. ذلك الانتظار نفسه الذي تقف بينلوبي تنسجه في الأوديسة والتي تُعتبر واحدة من أعظم القصص في الأدب الكلاسيكي. تقول الأسطورة أنه بعد انتهاء حرب طروادة، قضى أوديسيوس عشر سنوات أخرى تائهًا في البحار قبل العودة إلى وطنه إيثاكا. خلال هذه العشرين عامًا، ساد الإعتقاد بأنه مات. وبما أن بينلوبي كانت ملكة جميلة وتملك ثروة...

عن تعب المقاومة😮💨 همنغواي عبير اليوسفي ٦ مايو ٢٠٢٦ حيّرت نهاية الكاتب إرنست همنغواي كثيرين وما تزال. كيف لرجل خاض الحروب، ولامس الموت مرارًا، وكتب شخصيات تمشي إلى الهزيمة بكرامة، أن ينتهي إلى ما بدا لكثيرين استسلامًا؟ كيف لصاحب ما عُرف نقديًا بـ«كود همنغواي» أن يغادر المشهد بطلقة نارية؟. ليبدو تناقضًا بين بطولة النص واستسلام الواقع. لكن، ألم يكن همنغواي في نهايته يكشف بشكل مأساوي عن الحدود القصوى لهذا الكود؟ ما هو «كود همنغواي» أصلاً؟ هو في جوهره، أخلاق التصرف تحت الضغط في عالمٍ لا يعد...

عن الافراط الذي يقتل 🫠🤯 عبير اليوسفي ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ في صغري، كلما رغبت بحيوانٍ لتربيته قفزتُ أطلب سلحفاة أو سمكة. لماذا البحريات بالذات؟ لا أزال لا أعرف السبب. ربما لأنها تبدو أجمل وهي داخل الماء. كان أول سمكة تدخل منزلنا هدية مجانية مع وجبة بيتزا. بيضاء شفافة، عاشت ما يقارب أقل من أسبوع، ثم سقطت في مجاري الحوض حين كانت أختي تستبدل لها الماء. اختفت فجأة. الثانية ماتت هكذا أيضًا، فجأة. عدنا من المدرسة فوجدناها تطفو بكل استسلام على سطح الماء. أظن اليوم أنها ماتت من التخمة. ثم جاءت السلاحف....