عن تعب المقاومة😮💨
حيّرت نهاية الكاتب إرنست همنغواي كثيرين وما تزال. كيف لرجل خاض الحروب، ولامس الموت مرارًا، وكتب شخصيات تمشي إلى الهزيمة بكرامة، أن ينتهي إلى ما بدا لكثيرين استسلامًا؟ كيف لصاحب ما عُرف نقديًا بـ«كود همنغواي» أن يغادر المشهد بطلقة نارية؟. ليبدو تناقضًا بين بطولة النص واستسلام الواقع. لكن، ألم يكن همنغواي في نهايته يكشف بشكل مأساوي عن الحدود القصوى لهذا الكود؟
ما هو «كود همنغواي» أصلاً؟
هو في جوهره، أخلاق التصرف تحت الضغط في عالمٍ لا يعد بالنصر. في رواية «العجوز والبحر»، لا يذهب سانتياغو بطل همنغواي إلى البحر لأنه يضمن الظفر، ولا يواصل لأنه يثق بأن ما يصطاده سيعود به سالمًا. لكنه يواصل لأنه يرى في الفعل نفسه معنى حتى لو انتهى كل شيء إلى عظام سمكة. هذه الفكرة شديدة الجذرية، فهي تنقل معنى المقاومة من الفوز إلى طريقة مواجهة الخسارة. لذا يكون الاستسلام ليس نفيًا للمقاومة دائمًا، لأنه أحد ظلالها. لأن من لم يختبر ضغط المواجهة لا يعرف إغراء الانسحاب، ومن لم يقف طويلًا لا يعرف معنى أن تتعب الركبتان. وأحيانًا يكون التعب نفسه شاهدًا على أنك كنت تقاوم.
لماذا يزور الاستسلام حتى الذين أمضوا حياتهم يقاومون؟
في نقاش حول هذه الفكرة مع أصدقاء، خلصتُ أن هناك تصورًا شائعًا يقدم المقاومة لدينا بوصفها صفة ثابتة، كأن بعض الناس ولدوا بدرع داخلي يحميهم إلى الأبد، لكن الواقع مختلف. المقاومة المطولة مكلفة بيولوجيًا لأن الجهاز العصبي يدفع ثمنًا باهظًا من التوتر المزمن، الأرق، والإرهاق التراكمي. ومن اعتاد مواجهة المخاطر الخارجية قد يجد نفسه عاجزًا أمام الألم الداخلي الصامت.
همنغواي نفسه عاش حياة مليئة بالإصابات الجسدية والنفسية. تعرض لصدمات في الحرب العالمية الأولى، وتعرض لحوادث طائرات، وكان يعاني من ارتفاع ضغط الدم ومشاكل في الكبد، وأعراض اكتئاب شديدة في سنواته الأخيرة. لذا كان الاستسلام نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط التي تجاوزت قدرة الجسد والعقل على التحمل. من عاش سنوات طويلة في حالة تأهب قصوى يعرف جيدًا إغراء التوقف. وما التعب الناتج إلا شاهدا على أنك كنت موجودًا في قلب المعركة لفترة طويلة.
يدفعنا هذا إلى فهم أكثر صدقًا للمقاومة. فهي ليست صلابة مثالية خالية من الشقوق، على العكس استمرارًا يوميًا رغم التصدعات. أن تستيقظ وتواجه اليوم التالي رغم عدم وجود ضمانات، تحافظ على روتين بسيط وسط الفوضى، أن تؤجل الانهيار يومًا إضافيًا، كلها شكل هادئ من الشجاعة. قد يشبه الأمر فن «الكينتسوغي» الياباني، عندما تُكسر آنية خزفية، يصلح اليابانيون الكسور بخطوط من الذهب السائل. تصبح الشقوق هي ما يعطي القطعة جمالها وقيمتها الأعلى. كذلك الإنسان لا يُقاس بأيامه المشرقة فقط، أيضا بكيفية تعامله مع كسره. الندوب، التعب والرغبة أحيانًا في الانسحاب كلها أدلة على أن المعركة كانت تحدث.
وربما لم تكن نهاية همنغواي نقضًا لفلسفته، لأنها كانت كشفًا مأساويًا لحدودها. نهايته تخبرنا بأن الشجاعة لا تمنح حصانة ضد الألم الداخلي، وأن أكثر الناس تمرسًا في مواجهة الخطر الخارجي قد يعجزون أمام المعارك الداخلية التي لا يراها أحد.
وما المقاومة الحقيقية إلا فنّ مواصلة العيش، حتى حين يتصدع المرء.
•توصية الظلال 📖:
بدأت قبل أيام في قراءة كتاب «الالتفات إلى ألم الأخرين» لسوزان سونتاغ بتوصية من صديقة. وهو عمل يُعد امتدادًا لأفكارها السابقة في كتابها الشهير «عن التصوير» الصادر عام 1977. هذا الكتاب جاء في سياق عالمي شهد حروبًا متتالية وثورة في الإعلام البصري. تطرح سونتاغ فيه تساؤلًا مهمًا : هل تجعلنا صور المعاناة، صور الجرحى والموتى والمدن المدمرة أكثر تعاطفًا وإنسانية؟ أم أنها مع الزمن والتكرار المستمر تخدر مشاعرنا وتحول المأساة إلى مشهد استهلاكي عابر؟
تؤكد الكاتبة أن لا يوجد نحن موحد أمام صورة الألم. فتأثير صورة طفل غريق أو امرأة تبكي على أنقاض منزلها يختلف تمامًا بحسب موقع المتفرج جغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا. ما يثير الغضب والرغبة في التغيير عند بعض الناس قد يُرى كدعاية مألوفة أو خبر عادي عند آخرين.
وتذهب أبعد من ذلك حين تُذكّر بأن الصورة مهما كانت قوية لا تنقل الألم الحقيقي نفسه. هي لا تعطينا رائحة الدم، ولا صوت الانفجارات، ولا الخوف الذي يعيشه الإنسان في قلب الحدث. وغالبًا ما تُضفي جمالية غير مقصودة على المعاناة، فتصبح جماليات المأساة. وهذا ما لاحظه فرانسيسكو غويا قبل أكثر من قرنين في لوحاته «كوارث الحرب» التي تجمع بين الرعب والجمال البصري في آن واحد.
تستعرض سونتاغ في الكتاب أمثلة تاريخية متنوعة من صور الحرب الأهلية الأمريكية، والصور الشهيرة لروبرت كابا في الحرب الأهلية الإسبانية، وصور حرب فيتنام التي ساهمت فعلاً في تحريك الرأي العام الأمريكي ضد الحرب. غير أنها تنبه في الوقت ذاته إلى أن التكرار المفرط لصور العنف في عصر الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا يؤدي إلى نتيجة اللامبالاة. فالصور التي كانت تُصدم بها الأجيال السابقة أصبحت اليوم جزءًا من تدفق يومي لا ينتهي، يُستهلك ثم يُنسى بسرعة.
في ختام الكتاب، قدمت رؤية متوازنة وحادة، هي أن الحروب جزء أصيل من التاريخ البشري والصور وحدها لم توقف حربًا واحدًا على مر التاريخ. لكن هذا لا يعني العجز التام؛ إنما يعني ضرورة أن نلتفت إلى ألم الآخرين بعيون مفتوحة ووعي ناقد.
أنا من الذين تستوقفهم آراء سوزان دائمًا، لكن كتابها هذا يعد اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في عصر أصبح فيه كل شخص منتجًا ومستهلكًا للصور. فهو يذكرنا بأن مسؤوليتنا الأخلاقية لا تنتهي عند لحظة النظر إلى الصورة، لأنها تبدأ بعدها.
*أشارك الكتاب على قناة النشرة في التليغرام لمن يرغب في قراءته.📚