بلزاك وعبء الشغف 📝☕️
عبير اليوسفي
٢٢ أبريل ٢٠٢٦
في إحدى رسائله إلى أخته لور، كتب بلزاك: «ليس لدي في حياتي سوى شغفين: الأدب والمجد، ولا أحدهما قد تحقق بعد، ولن يتحقق أبدًا».
كان بلزاك شخصية استثنائية ورجل يحمل طموح كبير، ارتبط بعلاقة قوية مع أخته التي كانت أقرب الناس إليه، وكانت بمثابة الصديقة المقربة والمستشارة والداعمة الأولى. كتب لها مئات الرسائل على مر السنين يبوح فيها بأسراره، طموحاته، إحباطاته، وديونه المتكررة. وهي من نشرت مذكرات عن حياته بعد وفاته، وحفظت الكثير من تفاصيل شخصيته. يرى نفسه في مهمة كبيرة وهي رسم «الكوميديا الإنسانية». سلسلة روائية تضم أكثر من 90 رواية وقصة، تهدف إلى تصوير المجتمع الفرنسي بكل طبقاته كما لو كان علمًا اجتماعيًا. عمل ليل نهار وعانى من الديون والضغط، ولم يتوقف أبدًا عن الكتابة. هذا الشغف أو الهوس بالأدب والمجد جعله يعيش حياة مرهقة بشكل فظيع، كما وصف مرة: أستهلك نفسي بطريقة مرعبة.
لكن ماذا يحدث حين يختفي هذا الهوس أصلًا؟ ماذا يبقى للإنسان حين يفقد اندفاعه؟
هذا السؤال تسلل إليّ وأنا أقرأ رواية «وطن صغير» لغاييل فاي، بترجمة حديثة أنجزها المترجم بشير زندال عن الفرنسية؛ رواية تحمل أثر السيرة.
يروي غاييل الذي عاش طفولته في بوروندي قبل وبعد اندلاع الحرب الأهلية، حياته البالغة في فرنسا. يصف بأنها حياة هادئة، آمنة، مرتبة… وميتة عاطفيًا. وقفت عند سطر يقول فيه: «كل شيء يثير اهتمامي. لكن لا شيء يسحرني.» ثم يضيف العبارة هذه : «أفتقر إلى ملح الهوس».
«ملح الهوس» هذا ليس مجرد استعارة جميلة. الملح هو ما يعطي الطعم للطعام. بدون الهوس، تصبح الحياة «نزهة طويلة» بلا مذاق، روتينًا مكتبيًا، ضحكًا مصطنعًا أمام آلة القهوة، شعورًا دائمًا بالغربة عن الذات. غاييل فاي يصف أزمة جيل كامل، جيل المهاجرين أو الناجين من الصدمات الكبرى، الذين فقدوا «الملح» بعد أن فقدوا الوطن الصغير الذي كان يعطي الحياة طعمًا حادًا.
أحيانًا يكون الهوس الوقود الوحيد الذي يجعلنا نشعر أننا أحياء حقًا. منذ شبابه، كان بلزاك يرى نفسه نابليون الأدب كما يسمي نفسه أحيانًا، رأى في مشروعه الضخم «الكوميديا الإنسانية» ملحمة حديثة، مقابل «الكوميديا الإلهية» لدانتي، لكنه ركز على الكوميديا البشرية بكل ما فيها من طمع، طموح ،حب ومال، وسقوط اجتماعي. شخصياته في الروايات كذلك، غالبًا ما تكون مهووسة بشغف واحد يحرقها ويرفعها في الوقت نفسه. ومن أبرز تجسيدات هذا الهوس شخصية الأب غوريو في روايته الشهيرة التي تحمل اسمه.
الأب غوريو، التاجر الثري السابق الذي أفلس ليمنح ابنتيه كل ما يملك، يمثل الهوس في أنقى صوره وأكثرها مأساوية. حبه الأبوي تحول إلى عبادة تجعله يرى سعادته فقط في سعادتهما، حتى لو كانتا تستهلكانه وتخجلان منه. يقبل الإهانات والنبذ، يبيع آخر ما يملك، ويموت وحيدًا في غرفة فقيرة بينما ابنتاه مشغولتان بحفلاتهما. بلزاك يصف حبه هذا بأنه يجمع بين الحيوانية والسامية. حب أعمى يشبه سلوك الكلب الوفي، وفي الوقت نفسه حب يرتفع إلى مستوى إلهي في تضحيته. من خلال غوريو، يظهر بلزاك أن الهوس هو الوقود الذي يحرك الإنسان، لكنه قد يدمره أيضًا.
يعمل بلزاك نفسه بطريقة وحشية، كما وصفها البعض. ينام مبكرًا بعد العشاء حوالي الساعة السادسة مساءً، يستيقظ في الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا، يكتب لمدة سبع إلى ثماني ساعات متواصلة، وأحيانًا حتى خمس عشرة أو ست عشرة ساعة يوميًا. يأخذ قيلولة قصيرة في الصباح، ثم يعود للكتابة أو تصحيح المسودات. كان يعيد كتابة الصفحات مرات عديدة، ويصحح النسخ المطبوعة الأولى بشكل مفرط، مما أغضب الطابعين كثيرًا. وأشهر ما يُروى عنه اعتماده الشديد على القهوة كوقود لإبداعه، حيث كان يشرب كميات هائلة من القهوة القوية غالبًا ما يُذكر حوالي خمسين كوبًا يوميًا أثناء فترات الكتابة المكثفة. هذا الرقم أصبح أسطوريًا وقد يكون مبالغًا فيه قليلاً، لكنه يعكس مدى الإدمان الحقيقي الذي كان يغذي هوسه.
هذا الهوس والشغف في تخليد اسمه ساهم في تدهور صحته؛ فقد عانى من مشاكل في القلب، وتوفي في سن الحادية والخمسين فقط. ورغم كل التعب لم يندم. كان يؤمن أن العبقرية تحتاج إلى هذا الحرق الذاتي.
بعد قرنين تقريبًا من بلزاك الذي احترق من أجل شغفه، نعيش في زمن يمجد التوازن والراحة والصحة النفسية، مع هذا يذكرنا بلزاك أن بعض الأعمال العظيمة وبعض الحيوات الحقيقية لا تُبنى إلا على هوس يشبه الجنون المقدس.
•توصية الظلال📖:
حصلتُ قبل أيام على رواية «وطن صغير» الصادرة عن منشورات مواعيد، من مترجمها الأستاذ بشير زندال. والذي حرص أن تصلني الرواية قاطعةً مسافة السفر من ذمار إلى صنعاء.
تعود الرواية إلى سيرة الكاتب غاييل فاي عبر الراوي غابرييل الذي يستعيد طفولته في بوجمبورا عاصمة بوروندي مطلع التسعينيات. في حي هادئ يقطنه المغتربون، يعيش غابي ذو الأعوام العشرة سنوات طفولة مشبعة باللعب والصداقات.
أب فرنسي يعمل في التجارة، وأم رواندية تحمل ظل ماضٍ ثقيل، وبينهما ينشأ غابي مع أخته الصغيرة آنا. تبدأ الرواية من هذا النسيج الحميم، من ألعاب الشارع وحكايات الجيران.
لكن هذا العالم الصغير يبدأ بالتشقق على مهل. يتصدع البيت أولًا مع انهيار علاقة الوالدين، ثم يتسلل العنف من تخوم السياسة إلى قلب الحياة اليومية. التوتر العرقي بين الهوتو والتوتسي، الذي كان يختمر في الجوار الرواندي، يمتد إلى بوروندي كشرخ يتسع. ومع اقتراب عام 1994، يصل صدى الإبادة الجماعية إلى بوجمبورا، فيتحول المشهد كله.
في هذا التحول يفقد غابي براءته عبر تراكم الصدمات التي تقتحم وعي طفل لا يملك تفسيرًا لما يراه، لكنه يشعر بانكساره من الداخل. وهذه من قوة الرواية أنها تروي المأساة من موقع الشهادة التاريخية، ومن موضع الوعي الطفولي حين يصطدم لأول مرة بعنف العالم.
غاييل فاي، الكاتب الفرنسي المولود في بوروندي لأب فرنسي وأم رواندية، والذي غادر إلى فرنسا في طفولته، يكتب هذه الرواية شبه السيرية بلغة شفافة، مقتصدة. لا يركن إلى الخطابة السياسية، ولا يثقل النص بتفسير أيديولوجي. يترك التاريخ يظهر من خلال ارتجاج الحياة الصغيرة. وهذا ما يمنح الفظائع كثافتها، لأنها تُرى من عين بريئة، لا تستوعب تمامًا ما يحدث، لكنها تلتقط أثره الوجودي.
فلم يكتب عن الحرب بالمعنى المألوف، وإنما عن تهشم الداخل حين يتدخل التاريخ في مصائر الأفراد، وعن التمزق الذي يخلّفه الانتماء الموزع بين أكثر من مكان، وأكثر من هوية.