زرقة كافكا!


حين نخسر شاهدنا الوحيد💔

Author

عبير اليوسفي

في كتابه الذي يشبه معجمًا سريًا للأدباء الأشدّ تمردًا على المألوف، كتب فرانتس بلي عن صديقه فرانتس كافكا: «الكافكا: فأر بهي الطلة، نادر الظهور، لونه في لون زرقة القمر، لا يتغذى على اللحوم، وإنما على الأعشاب مُرّة المذاق، ويتمتع بمظهر جذّاب آسر، له عينان كأعين البشر.»

هذه العبارة لم تتركني منذ وقعت عليها «زرقة القمر». ما لونٌ هذا الذي يستحق أن يُخترع له اسم خاص ليصف به كاتبٌ كاتبًا آخر؟ ولماذا يبدو الأزرق دائمًا لونًا يحتاج إلى مسافة حتى نراه بوضوح؟

قرأت معلومة عابرة قبل مدة أن الأزرق كان آخر الألوان التي أعطاها الإنسان اسمًا مستقلًا في تاريخ اللغة. في منتصف القرن التاسع عشر، لاحظ علماء اللغة أن النصوص القديمة تغنّت بالأبيض والأسود والأحمر بإسهاب، أما الأزرق فكان غائبًا أو مترددًا. في إلياذة هوميروس والأوديسة، لا نجد البحر الأزرق كما نتخيله اليوم، كان «بحرًا داكنًا كالنبيذ». والسماءُ تُوصف بتعابير غامضة تبدو لنا اليوم شاعريةً غريبة.

درس الباحثون برنت برلين وبول كاي نصوصًا من عشرات اللغات والحضارات، فوجدا نمطًا شبه ثابت، الألوان تظهر في اللغات بالترتيب ذاته تقريبًا. الأسود والأبيض أولًا، ثم الأحمر، ثم الأصفر والأخضر، وأخيرًا الأزرق، وأحيانًا البني والوردي والبرتقالي. لم يكن الأمر يعني أن البشر القدماء كانوا عميانَ عن السماء أو البحر، لكن يعني أن رؤية اللون شيء، ومنحه اسمًا ثقافيًا مستقلاً شيء آخر. فاللون لا يدخل الثقافة بمجرد وجوده في الطبيعة. يدخل حين يصبح قابلًا للحيازة، للتداول، للتمثيل، للصبغ.

الأزرق، على عكس الأحمر الذي ينزف من الدم والنار والتراب، كان نادرًا وصعب المنال. ظلّ طويلاً لونًا بلا جسد، لون المسافات البعيدة التي لا تملكها اليد. ولهذا السبب بالذات، حين دخل الأزرق أخيرًا إلى المخيلة البشرية، دخل محملاً بأثقال رمزية هائلة. كان حالة وجودية، لون الشوق والروح، والأشياء التي نراها دون أن نستطيع لمسها.

في العصور الوسطى الأوروبية، انقلبت صورة الأزرق رأسًا على عقب. من لون يُشير أحيانًا إلى البرابرة والغرباء عند الإغريق والرومان، صار لون القداسة والسمو. صبغة اللازورد الآتية من مناجم أفغانستان كانت أغلى من الذهب، لذلك خصّصها الفنانون لرداء السيدة مريم العذراء، فأصبح الأزرق لون الطهر والحزن الرفيع والجلال.

وفي الأدب ازدهر الأزرق ازدهارًا خاصًا، كان لون الشوق الذي لا ينتهي. تشارلز بوكوفسكي يخفي «عصفورًا أزرق» في قلبه، عصفورًا هشًا يموت إن أُخرج إلى العالم. ونزار قباني يسأل حبيبته: «هل لعينيكِ شتاءٌ أزرق؟». أما إيمان مرسال فتكتب ببساطة مؤثرة: «هذا العالم ينقصه شباك أزرق».

حضر الأزرق أيضًا في الفن التشكيلي، كان أكثر من لون. في الفترة الزرقاء لبيكاسو يغرق العالم في حزن بارد. أما فان غوخ فيجعل الأزرق دوامة داخلية في لوحاته، سماءً تكاد تبتلع الإنسان.

حتى في الثقافة العربية، يحمل الأزرق وقارًا خاصًا. من «الخزر الأزرق» في التراث الشعبي، إلى استعارات الشعراء المحدثين الذين يربطون بين الأزرق والغياب والحنين والوطن البعيد. والمصادفة الجميلة أننا في عصرنا هذا، عصر الشاشات الزرقاء والسماء الملوثة، ما زلنا ننجذب إلى هذا اللون بقوة غريبة. يُستخدم في علم النفس للتهدئة، وفي التصميم لإيحاء الثقة، وفي السينما للدلالة على الحلم أو الوحدة. هو لون الـ«Blue Mind»، حالة التأمل التي تنتابنا أمام البحر أو تحت السماء.

بالعودة إلى وصف فرانتس بلي. يصف حالة كافكاوية بأكملها. كائن شفاف، مراوغ، يقف على الحدّ بين الضوء والظل. فأرٌ أزرق مثل القمر؛ لا يمكنك الاقتراب منه كثيرًا دون أن يتحول إلى ضوء بارد أو يختفي. يقول كاندينسكي: «كلما تعمق الأزرق، زاد نداؤه للإنسان نحو اللانهائية، وأيقظ فيه الشوق إلى النقاء والخارق». لون كل ما نحبه ولا نستطيع امتلاكه، لون الأشياء التي تبقى جميلة لأنها تبقى بعيدة.


•حين يرحل شاهدنا الوحيد💔


فقد الروائي اللبناني سمير يوسف قبل أيام زوجته صوفي. ولا أعرف سمير شخصيًا إلا من خلال كتاباته وصفحته على الفيس بوك. وكان قد كتب قبل أشهر عن زواجه من صوفي، وعن خمسة عشر عامًا جمعتهما معًا.

ليس الموت أمرًا استثنائيًا في عالمنا حتى نتوقف عند كل خبر. نعيش وسط سيل لا ينتهي من الغياب، أصدقاء وأقارب يرحلون. ومع الوقت يطوّر الإنسان نوعًا من المناعة العاطفية التي تسمح له بمتابعة حياته. لكن ثمة أنواعًا من الفقد تظل قادرة على اختراق هذه المناعة، وأحدها فقدان شريك الحياة.

حين يموت الشريك، فإن العالم يتغير. لا يعود الأمر متعلقًا بغياب فرد من أفراد الحياة، لكن باختفاء نصف المشهد الذي اعتدنا النظر إليه. فجأة تصبح الطاولة أكبر، والبيت أوسع مما ينبغي. الأشياء كلها تبقى في أماكنها، لكن معناها يتبدل.

تصنع الحياة المشتركة مع السنوات كائنًا ثالثًا غير مرئي. ليس هو الزوج ولا الزوجة، لكنها الحياة التي نشأت بينهما. مجموعة الذكريات الصغيرة التي لا تبدو مهمة لأحد خارج هذه العلاقة. عشرات الآلاف من التفاصيل التي لا تُكتب في المذكرات ولا تظهر في الصور، لكنها تشكل النسيج الحقيقي للحياة. وعندما يرحل أحد الطرفين لا يختفي شخص فقط، لكن ينهار ذلك الكائن الثالث كله دفعة واحدة.

لهذا يبدو فقدان الشريك أقرب إلى اقتلاع جزء من الذاكرة منه إلى مجرد فقدان شخص محبوب، فهناك ذكريات لا تعيش داخلنا وحدنا. نحن نتوهم ذلك أحيانًا، لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من ذاكرتنا موزع بين البشر الذين شاركونا الحياة.

ماذا يحدث حين يختفي هذا الشخص؟ من يعرف النسخة القديمة منك؟

في إحدى أكثر الأفكار إيلامًا التي صادفتها عن الشيخوخة، قيل إن الإنسان لا يخشى الموت بقدر ما يخشى أن يصبح الناجي الأخير من جيله، لأن كل رحيل جديد يأخذ معه جزءًا من ماضيه. كأن الذاكرة نفسها تتآكل مع اختفاء الشهود الذين كانوا يحفظونها.

لهذا نجد في مذكرات كثير من الكتّاب حزنًا خاصًا باختفاء الأصدقاء والأحبة واحدًا تلو الآخر. يصبح الإنسان أشبه بأمين أرشيف ضخم يعرف أنه سيغلق أبوابه قريبًا، وأن آلاف التفاصيل التي عاشها لن يبقى من يتذكرها بعده.

وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو قصص الحب الطويلة مؤثرة حتى عند الغرباء. ليست المسألة رومانسية بالمعنى الشائع، وليست احتفاءً بصورة مثالية للحب. ما يثير التأمل فيها هو الزمن. فكرة أن شخصين عبرا سنوات طويلة معًا، شاهدا تبدل الوجوه والمدن والأحلام، ثم أصبح كل منهما جزءًا من ذاكرة الآخر.

الحب في بداياته وعد بالمستقبل، أما بعد سنوات طويلة فيتحول إلى علاقة بالماضي أيضًا. يصبح الشريك هو الشخص الذي يعرف من كنت قبل أن تصبح ما أنت عليه الآن. الشخص الذي لا يحتاج إلى شرح طويل كي يفهمك، لأنه كان حاضرًا عندما تشكلت معظم طبقات شخصيتك. لذلك يبدو الفقد مضاعفًا لأن الإنسان يفقد أحد أهم شهود حياته.

أحيانًا أتخيل الأمر من زاوية أخرى. لو أن كل إنسان يحمل داخله كتابًا غير منشور لا يراه أحد كاملًا، فإن شريك الحياة يكون غالبًا القارئ الوحيد الذي اطلع على معظم صفحاته. يعرف الفصول المملة التي حُذفت، والهوامش التي لم تُنشر، والتعديلات التي جرت على النص عبر السنين. وعندما يرحل هذا القارئ، يبقى الكتاب موجودًا، لكنه يصبح أكثر وحدة.

المواساة نفسها تبدو أحيانًا أقل من حجم الخسارة. فما الذي يمكن قوله لمن فقد إنسانًا كان حاضرًا في تفاصيل خمسة عشر عامًا أو ثلاثين عامًا أو خمسين عامًا من عمره؟

لا شيء تقريبًا.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

عن القارئ الانتقائي 📕 👓 أدولف هتلر عبير اليوسفي ٢٠ مايو ٢٠٢٦ هل كان هتلر سيُتأثر بشوبنهاور ونيتشه لو لم يكونا ألمانيين؟ في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت أوروبا حالةً من الغليان الفكري والسياسي؛ كانت النظريات العرقية تنتشر، فيما أخذت فكرة القائد القوي تجد لها مكانًا في مجتمعات أنهكتها الحروب والأزمات الاقتصادية. وسط هذا المناخ برز أدولف هتلر كقارئ نهم، لكن قراءته كانت بعيدة جدًا عن قراءة فيلسوف أو مفكر يبحث عن الحقيقة، كانت انتقائية يلتقط منها ما يخدم مشروعه السياسي،...

في نسيج بينلوبي🧶⏳ لوحة بينلوبي للرسام جون ووترهاوس. تظهر بينلوبي وهي تغزل بالنول والخُطاب من خلفها عبير اليوسفي ١٣ مايو ٢٠٢٦ في إحدى أغنياتها، تقول فيروز إنها تحترف الحزن والانتظار. ذلك الانتظار نفسه الذي تقف بينلوبي تنسجه في الأوديسة والتي تُعتبر واحدة من أعظم القصص في الأدب الكلاسيكي. تقول الأسطورة أنه بعد انتهاء حرب طروادة، قضى أوديسيوس عشر سنوات أخرى تائهًا في البحار قبل العودة إلى وطنه إيثاكا. خلال هذه العشرين عامًا، ساد الإعتقاد بأنه مات. وبما أن بينلوبي كانت ملكة جميلة وتملك ثروة...

عن تعب المقاومة😮💨 همنغواي عبير اليوسفي ٦ مايو ٢٠٢٦ حيّرت نهاية الكاتب إرنست همنغواي كثيرين وما تزال. كيف لرجل خاض الحروب، ولامس الموت مرارًا، وكتب شخصيات تمشي إلى الهزيمة بكرامة، أن ينتهي إلى ما بدا لكثيرين استسلامًا؟ كيف لصاحب ما عُرف نقديًا بـ«كود همنغواي» أن يغادر المشهد بطلقة نارية؟. ليبدو تناقضًا بين بطولة النص واستسلام الواقع. لكن، ألم يكن همنغواي في نهايته يكشف بشكل مأساوي عن الحدود القصوى لهذا الكود؟ ما هو «كود همنغواي» أصلاً؟ هو في جوهره، أخلاق التصرف تحت الضغط في عالمٍ لا يعد...