تاريخ التيه اليومي🌪️🌀
عبير اليوسفي
٢١ يناير ٢٠٢٦
أحيانًا قد يحدث أننا نستيقظ بشعور خفيف بأن شيئًا ما فينا خرج عن مكانه، كأن العالم انزاح نصف خطوة إلى اليسار وتركنا نحاول موازنته طوال اليوم. لا شيء درامي، فقط ثقل صغير يسكن الصدر.
نميل إلى الاعتقاد أن الحياة تُقاس بلحظاتها الكبرى كفقد، حب، نجاح، خسارة. نرويها لأنفسنا كالقصص ببداية وذروة ونهاية. غير أن معظم ما يصنعنا يحدث في المساحة التي لا تصلح للحكي السريع، في الأيام التي تمر بلا حدث يُذكر، حيث لا شيء ينكسر بوضوح، ولا شيء يكتمل. هناك بين الشعور واللامبالاة، تتكون أزماتنا الصغيرة كحالات هادئة من تيه لا نعرف متى بدأ ولا كيف استقر فينا.
استطاع فرناندو بيسوا وصف هذا النوع من الفراغ. ليس الفراغ الذي يأتي بعد خسارة واضحة، هو ذلك الذي يسكن اليوم العادي، العمل العادي، الحوار العادي. لأن الملل شكل من أشكال الوعي الثقيل، إحساس بأن الوجود نفسه لا يمنح حبكة جاهزة، وأن الإنسان مضطر إلى العيش داخل هذا الاتساع من دون ضمانة لمعنى فوري.
ربما لهذا نشعر اليوم بأن الضجيج لا يطرد التيه، لكنه يمنحه شكلًا جديدًا. الإشعارات لا تتوقف، الرسائل تصل بسرعة، الصور تتدفق بلا نهاية، ومع ذلك يبقى الإحساس بأننا لا نصل إلى أنفسنا. نتحرك كثيرًا، نردّ، نكتب، نقرأ، ونؤجل لحظة الوقوف أمام سؤال بسيط ومربك: ماذا أشعر فعلًا بعيدًا عن الصيغ الجاهزة؟
تكون التفاصيل الصغيرة هي المسرح الحقيقي لهذه الحالات، لأن ما يبدو عابرًا في يومنا هو غالبًا ما يحمل أثقل المعاني. كوب قهوة يبرد قبل أن ننتبه إلى طعمه، رسالة نقرأها ونتركها بلا رد لأننا لا نعرف ماذا نقول، غرفة نعود إليها فنشعر أنها لم تعد تشبهنا كما كانت، رغم أن الأثاث في مكانه والضوء يدخل من النافذة نفسها. هذا النوع من اللحظات هو ما التقطه تشيخوف في أدبه، حيث لا تقع المآسي في الأحداث الكبرى، بل في الصمت الذي يلي جملة عادية، في نظرة عابرة تكشف فجأة أن شيئًا ما في العلاقة لم يعد كما كان.
ثم نصل إلى اللغة، هذه الأداة التي نلجأ إليها طلبًا للمواساة، فنكتشف أنها أحيانًا أكثر ما يعمّق المسافة بيننا وبين ما نشعر به. نقول “أنا بخير” لا لأننا بخير حقًا، لكن لأن الجملة صارت بابًا نغلقه على حديث لا نريد فتحه. يبدو الكلام وكأنه يدور حول نفسه، يحاول أن يصل إلى نقطة لا يستطيع لمسها. كأن ما لا نستطيع قوله يظل يعمل في الداخل بصمت أثقل من أي عبارة.
وسط هذا الامتلاء بالأصوات والصور والقصص الجاهزة، تتسلل الوحدة بهدوء. لسنا وحدنا لأن لا أحد حولنا، نحن وحدنا لأننا لا نجد دائمًا طريقة صادقة للوقوف أمام أنفسنا. كل واحد منا يسير في متاهته الخاصة، يحمل خريطته الداخلية التي لا تتطابق تمامًا مع خرائط الآخرين، حتى حين نتشارك المكان واللحظة والكلمات.
ما نعيشه في غرفنا الصغيرة وفي شوارعنا اليومية، يعيشه آخرون في مدن أخرى، بأسماء مختلفة للشعور نفسه. لذلك لا يكون الكلام محاولة لإعطاء نصيحة، لربما مشاركة في حمل هذا التيه، اعترافًا بأن هذا الحزن الخفيف ليس تجربة فردية معزولة، هو صدى يتردد في أكثر من حياة، وفي أكثر من قلب.
أزماتنا الصغيرة هي التاريخ الخفي الذي نكتبه داخلنا من دون أن ندوّنه. ليست كوارث تستدعي العزاء، ولا انتصارات تستحق الاحتفال، لكنها علامات على أننا ما زلنا نشعر، نفكر، ونتوقف أحيانًا لنسأل عما نفعل. وربما لا يزول هذا التيه، ولا يختفي هذا الثقل الهادئ، غير أننا حين نمنحه لغة، نصير أقل وحدة في حمله، وأكثر قربًا من أنفسنا ومن بعضنا.
توصية الظلال📚:
قضيتُ الأسبوع الماضي في قراءة كتاب لمينا ناجي بعنوان «ليس عزاءً بل ضوءًا»، وهو من تلك الكتب الصغيرة في حجمها، التي لا تُقرأ على عجل. نحو مئة صفحة فقط، لكنها كافية لتدفع القارئ إلى التوقف عند كل فقرة.
يختار مينا أن يجعل من سيمون فايل محورًا لتأملاته، كصوتًا أخلاقيًا وروحيًا نشأ في عالم ممزق بالحروب والأيديولوجيات، وشهد صعود الفاشية وانهيار كثير من يقينيات أوروبا القديمة. لم تكن فايل جزءًا من الجامعات الكبرى ولا من التيارات التي صنعت شهرة الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين. كانت أقرب إلى كائن فكري منفرد، يرفض الاحتماء بنسق أو مدرسة. هذا الموقع جعلها عرضة لسوء الفهم فعند بعضهم مفكرة دينية في زمن علماني، وعند آخرين صوفية بلا انتماء كنسي، وعند فريق ثالث عقلًا أخلاقيًا متطرفًا يذهب بالمطالبة الإنسانية إلى حدود غير محتملة.
في الجملة التي يتوقف عندها طويلًا: «يجب أن نحب الله كأنه غير موجود». يضع تصورها للحب، وهو قلبًا جذريًا لمعنى المحبة نفسها. فالحب عندها لا يُقاس بما يمنحه من طمأنينة، ولا بما يعد به من خلاص أو مكافأة. يبلغ صفاءه حين يُجرَّد من كل ضمان، حين يصبح قدرة على الاستمرار في العطاء رغم احتمال الغياب، والصمت، والفراغ.
يقرأ هذا التصور بوصفه امتدادًا لفكرة أهم عند فايل وهي أن النعمة لا تأتي لتملأ الهوة، بل لتصنعها. والفراغ شرطًا لرؤية ما يتجاوز الذات.يتحول الحب إلى تمرين على التنازل عن الامتلاء، وعلى قبول أن الآخر، سواء كان إنسانًا أو إلهًا أو فكرة عليا، لن يتحول إلى ملكية أو إلى ضمان وجودي. أن تنظر إلى الآخر دون أن تبتلعه، وأن تحضر أمامه دون أن تجعله امتدادًا لأناك.
هذا التصور يصطدم مباشرة بحساسية الإنسان المعاصر، الذي يرى في الحب وعدًا بالاحتواء والاعتراف والرد بالمثل. مينا لا يتجاوز هذا التوتر، لكن يجعله جزءًا من القراءة نفسها. فالحب في زمن العلاقات السريعة والتجارب العاطفية المنفصلة، يتحول إلى أداء شعوري بلا ثقل وجودي، بينما تصر فايل على ربطه بالتضحية والالتزام والبذل. ومع ذلك، لا يقدم فاي بوصفها قديسة فكرية بلا ظلال. يشير إلى الانتقادات التي وُجهت إلى نزعتها نحو تمجيد الألم والزهد، وإلى النفور الذي أبداه مفكرون مثل جيل دولوز من كل فكر يرون فيه لاهوتًا مقنعًا أو أخلاقًا قائمة على الحرمان.
يبقى الكتاب تجربة قراءة ثرية يقدم لنا لمحات تعريفيه من حياة وفكر سيمون فايل التي لا نجد توجه الترجمة لها كما باقي الفلاسفة.