الستريك وشرارة لا تنطفئ🔥


عشوائيات سناب شات🤳📷

Author

عبير اليوسفي

تبادلني ابنة أختي صورًا عشوائية على تطبيق سناب شات كل صباح؛ زاوية من السقف، ظل يدها على الأرض، كوب ماء نصف ممتلئ، صورة لحقيبة. هذه اللقطات الصغيرة لا تروي شيئًا مهمًا، وإذا تخطيتها سريعًا لما ظننت أن لها وزنًا. غير أن في تكرارها طقوسًا خفيفة، وحضورا من نوع خاص.

هذا مايسمى الستريك، وهو تسلسل يومي من المشاركات الصغيرة عادةً على منصات التواصل الاجتماعي، يرسلها المستخدم لإبقاء العداد بجانب اسمه متواصلًا يوميًا. لا تهدف هذه المشاركات بالضرورة لنقل محتوى مهم، لكنها تمثل طقسًا شخصيًا من الحضور الرمزي يعكس رغبة في الاستمرارية، وإظهار التواجد أمام الآخرين.


أعيد إلى ذهني فيلمًا يابانيًا بسيطًا عن رجل يصور السماء كل صباح. وبعيدا عن أن يكون هدفه فنًا أو توثيقًا، كانت فقط رغبته في أن يبقي يومه مرتبطًا بالذي سبقه. كل صباح سماء مختلفة، وكل صباح حياة تتغير. لفتتني تلك الفكرة كيف تجعل عادة صغيرة جدًا جسراً هادئًا يربط وجودك المتقطع بحبل واحد. ولعل الستريك يشبه هذا كله. يشبه الصفحة البيضاء التي نكتب فيها كل يوم كلمة واحدة فقط، لكنها حين تُجمع تصبح سيرة شيئاً دون قصد. ومع ذلك لا يخلو الأمر من فكرة مشاركة لحظات لا نفكر بها أصلًا. كونها سريعة وعابرة كي يبقى العداد متوهجًا.

كل شيء فيه يقوم على اللامهم أو بالأصح على العشوائية التي تحولت إلى شكل جديد من القرب. يشبه الأمر تلك اللقطات التي نجدها في دفاتر الرسامين خطوط أولى غير مكتملة. ومع أن هذه العادة تبدو سطحية لوهلة، إلا أن لها جذورًا في رغبتنا القديمة بتثبيت اللحظة.

قديمًا، لم تكن العلاقات دائمًا مبنية على الأحداث الكبيرة. كثير من الروابط الإنسانية قامت على تبادل يومي هش كرسالة، جملة، ملاحظة عابرة. هو ليس ظاهرة جديدة تمامًا، لكنه تبدل فقط إلى صيغة رقمية لقلق قديم أن يمر يوم دون علامة تقول إننا ما زلنا هنا.

من زاويتي، أراه كالخيط الرفيع الذي نعلقه بيننا وبين الآخرين. فكرته لطيفة حين تُستخدم كإيماءة يومية خفيفة، حضور بسيط يحافظ على دفء العلاقة. لكنه يتحول أحيانًا إلى شيء مختلف تمامًا… إلى قلق صغير يُدار كل يوم، خوف غير مُعترف به من أن تختفي الشرارة التي حصدها من الإرسال . هذا الاستخدام المفرط يشبه قلق الإشارة حين يشعر الشخص بالخوف من الصمت أكثر من خوفه من الفقد نفسه. ونحن يرعبنا الفراغ الذي يبتلع العلاقات حين لا يحدث شيء.

وبطريقة ما، تصبح الشرارة الظاهرة جانب الاسم أكبر من قيمتها الفعلية. نتصرف وكأنها شهادة على قوة العلاقة أو على استمرارها، رغم أن العلاقات لا تُقاس بعداد ولا بالبقاء المتواصل، لكن بالمعنى وبالمساحة التي يتركها الآخر فينا.

ربما لهذا السبب يجد هذا الطقس صدى واسعًا لدى جيل ينشأ في زمن التقنية، حيث السرعة والسطحيات تسيطر، ويكون الوقت ثمينًا، واللغة أحيانًا غير كافية للتعبير الكامل عن ما يشعر به. تصبح هذه طريقة للوجود اليومي، إشارة صغيرة تقول أنا هنا ما زلت حاضرًا. طقس رقمي هشّ، مؤقت، لكنه قد يعكس رغبة في الاتصال بطريقة تلائم العالم الذي نشأ فيه هذا الجيل حيث العلاقة أحيانًا تُقاس ببساطة عبر مرور الضوء بجانب الاسم.

في أجمل حالاته بسيطًا، وفي أسوأ حالاته سلوكًا لتسكين الخوف. وبين الاثنين يختار المرء هل يرسل لأنه يريد المشاركة أو لأنه يخاف أن تنطفئ الشرارة؟


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

الحب المتوحش 🥺❤️👩🏻🍼 أرونداتي روي. روائية هندية عبير اليوسفي ٨ أبريل ٢٠٢٦ مرّت بي في تصفحي على الإنترنت آراء حول صدور مذكرات الكاتبة الهندية الشهيرة أرونداتي روي، صاحبة رواية «إله الأشياء الصغيرة» التي فازت بجائزة بوكر عام 1997. تتحدث في مذكراتها الجديدة عن علاقتها المعقدة بوالدتها ماري روي. وتعد هذه المذكرات شهادة أدبية جريئة تكشف عن حب قاسٍ ومدمر في آن واحد، حيث تصف أرونداتي أمها بملاذي وعاصفتي. ماري روي كانت امرأة استثنائية أم عزباء تركت زوجها المدمن على الكحول، أسست مدرسة مرموقة في كيرالا،...

كيف يحمل الكاتب وطنه؟🏔️ عبير اليوسفي ١ أبريل ٢٠٢٦ كان مارتن هيدغر يهرب من حياة الأكاديمية، والمجاملات إلى كوخه الصغير في جنوب ألمانيا وسط غابة الغابة السوداء. في مقالته الشهيرة لماذا يبقى في المقاطعات؟(1934)، يصف كيف يندهش أهل المدينة من عزلته الطويلة والرتيبة بين الفلاحين. ويجيب أن للعزلة قوة خاصة، تُلقي بوجودنا كله في القرب الواسع من حضور كل الأشياء. في المدن الكبرى يقول هيدغر، يمكن أن يكون الإنسان وحيدًا أكثر من أي مكان آخر، لكن العزلة الحقيقية لا تتحقق هناك. العزلة عنده إقامة أصيلة مرتبطة...

العزلة والنص الأخير 💔📖🖋️ بولين بونابرت في هيئة فينوس المنتصرة 1808 عبير اليوسفي ١١ مارس ٢٠٢٦ يأتي شهر مارس كل عام مصحوبًا بالاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، حيث تُستعاد قائمة طويلة من الحقوق التي حُرمت منها المرأة تاريخيًا، مثل الحق في التعليم والعمل والمشاركة العامة. لكن هناك حقًا أقل حضورًا في هذه المناسبة، مع أنه يكشف جانبًا بالغ الحساسية من بنية السلطة الثقافية وهو حق المرأة في أن تكتب عن جسدها ورغباتها دون أن تتحول كتابتها إلى قضية أخلاقية. لم يكن غائبًا الجسد الأنثوي عن الأدب أو الفن في...