ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.
Share
من يملك كتابة الجسد؟
Published about 3 hours ago • 1 min read
العزلة والنص الأخير 💔📖🖋️
بولين بونابرت في هيئة فينوس المنتصرة 1808
عبير اليوسفي
١١ مارس ٢٠٢٦
يأتي شهر مارس كل عام مصحوبًا بالاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، حيث تُستعاد قائمة طويلة من الحقوق التي حُرمت منها المرأة تاريخيًا، مثل الحق في التعليم والعمل والمشاركة العامة. لكن هناك حقًا أقل حضورًا في هذه المناسبة، مع أنه يكشف جانبًا بالغ الحساسية من بنية السلطة الثقافية وهو حق المرأة في أن تكتب عن جسدها ورغباتها دون أن تتحول كتابتها إلى قضية أخلاقية.
لم يكن غائبًا الجسد الأنثوي عن الأدب أو الفن في أي مرحلة من تاريخهما. على العكس، كان حاضرًا بوصفه أحد أكثر الموضوعات تمثيلًا في الشعر والرواية والرسم. لكن هذا الحضور كان في الغالب حضورًا من الخارج، من خلال عين تنظر إليه وتصفه. عندما تكتب المرأة عن جسدها يتغير هذا الموقع جذريًا؛ يتحول الجسد من موضوع للتمثيل إلى ذات تتكلم عن نفسها. والأدب عبر تاريخه الطويل، لم يكن متحفظًا في تناول الجسد. كثير من النصوص المؤسسة في الرواية الحديثة كتبت عن الرغبة والحياة الحسية بوضوح وصراحة. لكن الفرق لا يظهر في الموضوع بقدر ما يظهر في هوية المتكلم عنه. حين يكتب الرجل عن الرغبة يُقرأ النص كتجربة أدبية أو مغامرة جمالية في اللغة والسرد. أما حين تكتب المرأة عنها فإن النص غالبًا ما يُنتزع من مجاله الأدبي ليُعاد إدخاله في مجال آخر متعلق بالسيرة الأخلاقية لها. عندها يُناقش العمل كمؤشرًا على حياة الكاتبة أو أخلاقها أو جرأتها. يكشف هذا أن الحساسية الاجتماعية ليست موجهة إلى موضوع الجنس في الأدب، لأنها موجهة إلى المرأة التي تتكلم عنه.
في تاريخ الأدب الحديث كتب هنري ميلر نصوصًا صريحة عن الجسد، وواجهت أعماله المنع والملاحقة القضائية في أكثر من بلد، لكنها مع مرور الوقت دخلت في تقاليد الرواية الحديثة. الأمر نفسه ينطبق على أعمال أثارت ضجة أخلاقية في زمنها قبل أن تتحول لاحقًا إلى جزء من تاريخ الرواية الأوروبية. ذات التجربة تتخذ مسارًا مختلفًا حين تكون الكاتبة امرأة. في هذه الحالة يحدث انزلاق سريع في القراءة، يتحول النص إلى سيرة أخلاقية لصاحبته، يتم عندها مناقشة حياة الكاتبة أكثر مما يُناقش العمل نفسه، ويصبح الجسد الذي تكتب عنه موضوعًا للمراقبة.
من الأمثلة على ذلك الرواية الفرنسية «قصة أو» التي نشرتها بولين رياج في خمسينيات القرن الماضي. الرواية أثارت جدلًا واسعًا بسبب موضوعها، وبسبب كون الصوت الذي كتبها صوت امرأة. ظل اسم الكاتبة الحقيقي مجهولًا سنوات طويلة، وكأن الجرأة التي يمكن أن يتحملها الأدب لا تستطيع السيرة الاجتماعية لكاتبة أن تتحملها. اللافت في قصة هذه الرواية أن كاتبتها الحقيقية آن ديسكلو كتبتها في الأصل لتثبت لحبيبها الناقد أن المرأة قادرة على كتابة نص جريء لا يقل قوة عما يكتبه الرجال. وبعيدًا عن أن الرواية مجرد نص إيروتيكي، كانت في الحقيقة تحديًا ثقافيًا موجهًا إلى تصور راسخ في الوسط الأدبي آنذاك أن الجرأة في الأدب حكر على الكتاب الرجال.
الجسد الأنثوي كان غالبا موضوعًا للتمثيل من منظور خارجي. عندما تكتب المرأة عن رغباتها يتغير موقعها داخل هذا التقليد؛ تنتقل من كونها موضوعًا للنظر إلى ذات تمتلك حق السرد. في هذه اللحظة يبدأ التوتر الثقافي، لأن ما يُختبر هو حدود الدور الذي يُسمح للمرأة أن تشغله داخل اللغة نفسها. ولهذا تبدو في كل مرة كأنها مطالبة بإثبات قدرتها على كتابة ما يُعدّ بديهيًا عندما يكتبه الرجل.
في السياق العربي يتكرر المشهد بصيغة مختلفة. فقد أثارت مذكرات برهان العسل للكاتبة سلوى النعيمي جدلًا واسعًا منذ صدورها بسبب موضوعها، ولأن الكتابة جاءت من موقع أنثوي يتحدث عن الرغبة بصراحة غير مألوفة في السرد العربي المعاصر. وكذلك فعلت قصائد جمانة حداد التي تعاملت مع الجسد بوصفه مادة شعرية.
اللافت أن الجدل الذي يرافق هذه النصوص ينشأ من نقاش لا يدور غالبًا حول البناء الفني أو اللغة أو القيمة الجمالية للنص، لكنه يدور حول هل يحق للمرأة أن تقول ذلك أصلًا؟
تظل هذه الأعمال كاشفة لحدود المجتمع أكثر مما تكشف حدود الأدب. ولهذا فإن الجدل الذي يحيط بمثل هذه النصوص لا يتعلق بالأدب بقدر ما يتعلق بالسلطة الثقافية، سلطة تحديد من يملك حق الكلام. وفي هذه النقطة تحديدًا يتضح أن معركة المرأة في الأدب حول الحق في امتلاك اللغة التي تتكلم عن جسدها.
•العزلة والنص الأخير💔
بعد خسارتنا للمترجمة أماني فوزي حبشي، ودعتنا الكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي، إحدى الأسماء التي أسهمت عبر كتبها وترجماتها ومقالاتها في إثراء المشهد الثقافي العربي. صادف قرائتي المكثفة لها في العام الماضي لمقالاتها، وكان لافتًا أن كثيرًا منها تنزع إلى التأمل الهادئ في التجربة الإنسانية، بعيدًا عن الضجيج الخطابي أو الانفعال العابر.
مع خبر وفاتها عاد إلى التداول منشور قديم لها كانت تجيب فيه عن سؤال يتكرر كثيرًا: كيف استطاعت أن تنجز هذا العدد الكبير من الكتب؟ كان جوابها يتناولها العزلة، وتنظيم الحياة حول الكتابة. تحدثت عن يوم يبدأ مبكرًا، وحياة خفيفة من الالتزامات الاجتماعية، وعن قرار واعٍ بالابتعاد عن المؤتمرات والظهور الإعلامي. أعادت ترتيب حياتها بحيث تتمحور حول فعل واحد هو القراءة والكتابة. اختيارها هذا دفعني للتفكير لماذا يلجأ بعض الكتّاب إلى العزلة طواعية؟
في حالة لطفية تبدو العزلة أقل ارتباطًا بالانسحاب من العالم وأكثر صلة بحماية الانتباه. وسط زمن تتنازع فيه الأخبار السريعة والمنصات الرقمية والضجيج اليومي على انتباه الإنسان، يصبح التركيز موردًا نادرًا. القدرة على متابعة فكرة واحدة حتى نهايتها، أو قراءة كتاب ببطء، أو ملاحقة سؤال وجودي، تتطلب شروطًا من الهدوء يصعب توفيرها في حياة مشبعة بالمشتتات. لهذا تبدو العزلة مغرية أكثر كشكلًا من أشكال تنظيم الانتباه، بعيدًا عن ميل شخصي إلى الوحدة.
وقد عبّرت عن هذا المعنى بطريقة لافتة حين وصفت الكتابة بأنها «لعنة نبيلة ونعمة خلاص، برج مراقبة يمتعنا بالكشف عما يؤرقنا من أسئلة الوجود وحيرة النفس وهي تعبر مسالك هذا العالم المضطرب». هذه الاستعارة تكشف تصورًا واضحًا لدور الكاتب وهو الصعود إلى مسافة تسمح برؤية أوسع. كلما ارتفع موقع الرؤية اتسعت زاوية المشهد وقلّ الضجيج الذي يحجب التفاصيل.
ليس جديدًا هذا التصور في تاريخ الفكر. كثير من الفلاسفة والكتّاب رأوا أن التفكير يحتاج مسافة عن الإيقاع اليومي للحياة. ومع ذلك تبقى العزلة لافتة في حياة الكاتب فهو يبتعد عن الناس كي يكتب عنهم، ويعيش في صمت طويل ليصف ضجيج العالم. غير أن هذا التناقض يكشف وظيفة العزلة أكثر مما ينفيه؛ فهي وسيلة لإعادة النظر فيه من زاوية أكثر اتساعًا.
ربما لهذا بدت حياتها منظمة إلى حد الصرامة. تقليل اللقاءات، الاعتذار عن الدعوات الثقافية، كلها تفاصيل تشير إلى نوع من الاقتصاد الشخصي للانتباه. لكن وفاة كاتب لا تعيد النظر في حياته فحسب، بل في نصوصه أيضًا، وخصوصًا تلك التي كُتبت في سنواته الأخيرة. فهل تكشف الكتابات الأخيرة للكتّاب خلاصة ما تعلّموه عن الحياة، أم أن القرّاء هم من يمنحونها هذا المعنى بعد رحيلهم؟
في حياة الكاتب تُقرأ النصوص بوصفها جزءًا من مسار مستمر فكرة ضمن أفكار، وتأملًا ضمن سلسلة طويلة من المحاولات الفكرية. لكن بعد الرحيل يتغير موقع النص داخل هذا المسار. الجملة نفسها تبقى كما هي، لكن تكسب ثقلًا مختلفًا. كأن القارئ يبحث فيها عن أثر أخير لصاحبها، أو عن كلمة ختامية تختصر تجربة كاملة.
في بعض الحالات يكون النص الأخير بالفعل أشبه برسالة وداع مقصودة. لكن في حالات كثيرة لا يقصد الكاتب أن يكتب وصية. يكتب نصًا عاديًا عن فكرة تشغله في تلك اللحظة، ثم تأتي وفاته لتضع ذلك النص في موقع مختلف داخل مجمل أعماله. ما كان مجرد تأمل ضمن سلسلة من التأملات يتحول فجأة في نظر القراء إلى جملة أخيرة.
السبب في ذلك أن النص بعد رحيل صاحبه يُقرأ دائمًا في ظل الغياب. الغياب يضيف طبقة جديدة من المعنى لم تكن حاضرة لحظة الكتابة. كل عبارة تبدو كأنها قادمة من مسافة أبعد، من مكان لم يعد الكاتب قادرًا على العودة منه ليشرح قصده أو يعيد ترتيب أفكاره. لتتحول بعض النصوص المتأخرة إلى ما يشبه الخلاصة، حتى لو لم يخطط لها صاحبها على هذا النحو.
قد تكون الحقيقة أبسط مما نتصور. حياة الكاتب لا تختصرها جملة واحدة ولا فكرة أخيرة، ولا حتى كتاب متأخر. الكتابة بطبيعتها عملية مفتوحة تتقدم عبر سلسلة من الأسئلة التي لا تبلغ خاتمة نهائية. ما نقرأه بأنه الخلاصة قد لا يكون أكثر من لحظة عابرة في مسار طويل من التفكير.
وربما لهذا تبدو النصوص المتأخرة مؤثرة على نحو خاص. لأنها تذكّرنا بأن الفكر الإنساني يظل مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة.
استراحة ظلال📚 :
تبدو الحياة أحيانًا أكثر ضوضاءً من أن نستوعبها، وأجد نفسي مضطرة للتوقف قليلًا..
تأخذ ظلال استراحة محارب، في محاولة لإلتقاط جمال تفاصيل الحياة الصغيرة.
خلي مكانك المطبخ🫧👩🍳😱 صورة شاركتها البوكر البريطانية على صفحتها العام الماضي عبير اليوسفي ٤ مارس ٢٠٢٦ مع بدايات شهر رمضان، صادفتُ على موقع إكس جدلًا واسعًا حول إعلان لإحدى شركات المطابخ حمل عبارة: «خلي مكانك المطبخ»، وهي جملة سرعان ما أثارت غضبًا نسويًا، لأنها محمّلة بتاريخ من الاستخدام الذي لم يكن بريئا. استُعملت طويلًا لتذكير المرأة بحدود مرسومة سلفًا، ولتحويل مساحة من البيت إلى تعريف كامل لحياتها. لكن هل يصبح المكان إهانة؟ في الأصل، لم يكن المطبخ فضاءً مؤنثًا. عبر قرون طويلة كان الطهي مهنة...
عشوائيات سناب شات🤳📷 عبير اليوسفي ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ تبادلني ابنة أختي صورًا عشوائية على تطبيق سناب شات كل صباح؛ زاوية من السقف، ظل يدها على الأرض، كوب ماء نصف ممتلئ، صورة لحقيبة. هذه اللقطات الصغيرة لا تروي شيئًا مهمًا، وإذا تخطيتها سريعًا لما ظننت أن لها وزنًا. غير أن في تكرارها طقوسًا خفيفة، وحضورا من نوع خاص. هذا مايسمى الستريك، وهو تسلسل يومي من المشاركات الصغيرة عادةً على منصات التواصل الاجتماعي، يرسلها المستخدم لإبقاء العداد بجانب اسمه متواصلًا يوميًا. لا تهدف هذه المشاركات بالضرورة لنقل...
ماذا يقول المرء في ميلاده؟🎈 عبير اليوسفي ١٨ فبراير ٢٠٢٦ ليس كل ما يسقط منّا يُفقد… بعضه يتحول إلى أمنية. يصادف اليوم أن يكون يوم ميلادي مع موعد إرسال هذه النشرة، ومع أول يوم من رمضان. وسط زحمة ومشاغل الأسبوع، فكرت الأيام الماضية في موضوع أكتب عنه، لتبدو الساعات كأنها تسبقني بخطوة، ويصبح العثور على لحظة هادئة نوعًا من الرفاهية المؤقتة. يخطر في بالي قول محمود درويش في قصيدته لاعب النرد: «من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟». وربما لهذا بالذات يربكني عيد الميلاد كل عام؛ لأن المرء لا يعرف تمامًا ماذا...