كيف يحمل الكاتب وطنه؟🏔️
عبير اليوسفي
١ أبريل ٢٠٢٦
كان مارتن هيدغر يهرب من حياة الأكاديمية، والمجاملات إلى كوخه الصغير في جنوب ألمانيا وسط غابة الغابة السوداء. في مقالته الشهيرة لماذا يبقى في المقاطعات؟(1934)، يصف كيف يندهش أهل المدينة من عزلته الطويلة والرتيبة بين الفلاحين. ويجيب أن للعزلة قوة خاصة، تُلقي بوجودنا كله في القرب الواسع من حضور كل الأشياء.
في المدن الكبرى يقول هيدغر، يمكن أن يكون الإنسان وحيدًا أكثر من أي مكان آخر، لكن العزلة الحقيقية لا تتحقق هناك. العزلة عنده إقامة أصيلة مرتبطة بالمشي في الجبال، والعمل اليدوي البسيط.
لكن هل لإنسان اليوم أن يمارس عزلة هيدغرية حقيقية في زمن الـonline؟
واحد من المفارقات العجيبة في زمننا أن يعلن أحدهم عزلته القصيرة من السوشيال في هيئة «يوم بلا هاتف»، أو ما يُطلق عليه ديتوكس أونلاين. ليخوض تجربة استثنائية في استعادة ذاته، ثم يمد يده إلى الهاتف نفسه ليوثّق هذا الانقطاع. يتحول اليوم الذي كان يفترض أن يكون صامتًا إلى مادة قابلة للمشاهدة والتعليق. ورغم أن مثل هذه المقاطع تثير التناقض، إلا أنها تكشف حقيقة أن التجربة بات اكتمالها مشروطًا بوجود جمهور، ولو ضمني.
يُفهم هذا السلوك بوصفه نزوة رقمية عابرة، لكن تجربتها تُصاغ منذ لحظتها الأولى كشيء قابل للعرض. ما لا يجد طريقه إلى الظهور يبدو كأنه لم يحدث، أو كأنه ناقص الحدوث. كتب ميلان كونديرا أن الإنسان لا يخاف النسيان بقدر ما يخاف أن يُمحى من سجل الآخرين. وربما يصبح التوثيق دفاعًا خفيًا ضد الاختفاء. كأننا نوثق لأننا لا نثق أن التجربة ستبقى إن لم تُحفظ، أو لن تُحسب إن لم تُشاهد.
هذه الحاجة إلى الشهادة تُغيّر طبيعة التجربة نفسها. اللحظة التي تُعاش تحت احتمال النشر ليست هي اللحظة ذاتها حين تُعاش في عزلة حقيقية. دائمًا هناك زاوية كامنة، احتمال للصورة، وعي خفي بأن ما يحدث يمكن أن يتحول إلى محتوى. وهنا يتحول الانقطاع إلى أداء؛ يوم بلا هاتف لكن مع وعي كامل بإمكانية تحويله إلى «ريلز». حتى لحظات الانسحاب الخاصة كالمشي وحدنا، الصمت، القراءة، أو التحديق في شارع، تُقاس الآن بمدى قابليتها للتصوير والمشاركة. صارت العزلة مادة قابلة للعرض، وفعل الانقطاع عن العالم الخارجي يتطلب جمهورًا. ما كان مساحة سرّية داخل الذات، صار معرضًا في الإنستغرام، حتى لو لم يُنشر مباشرة. والسر حين يُكشف أو يصبح محتوى يفقد شيئًا من جوهره.
وهذا مايحدث. نعيش بين شعور الرغبة في الانسحاب، والحاجة إلى أن يُشهد هذا الانسحاب حتى يبقى ذا قيمة.
في مرحلته المتأخرة، رأى هيدغر أن الخطر الأكبر ليس في التقنية بحد ذاتها، لكنه في نسيان الوجود الذي تُسببه. جوهر التقنية عنده هو الإطار الذي يحول كل شيء بما في ذلك تجربتنا الداخلية وعزلتنا إلى مخزون جاهز قابل للحساب والعرض والاستهلاك. والتوثيق الرقمي المستمر هو الشكل الحديث الأوضح لهذا النسيان، فنحن لا نعيش اللحظة لأننا ننشغل بانتاج صورة عنها. وحتى الرغبة في الهرب من التقنية تُحوَّل إلى جزء من التقنية نفسها.
لكن هيدغر لا يتركنا في اليأس. يقول في سياق التقنية مستلهماً هولدرلين: «حيث يكمن الخطر، ينمو هناك ما يُنقذ». والخلاص ليس في رفض التقنية، في الإطلاق أو الترك الهادئ. يعني ذلك أن نستخدم الأجهزة بحرية، دون أن تُصبح الإطار الذي يحكم كيف يظهر العالم لنا. إنه التفكير التأملي مقابل التفكير الحسابي.
مأزق إنسان اليوم يكمن في صعوبة الانسحاب دون أن يُشهد. وقد تكمن الحكمة في قبول أن بعض التجارب يجب أن تبقى غير مرئية، غير محفوظة. فقط حينها تعود العزلة إلى جوهرها وهو إقامة أصيلة في العالم، تُلقي بنا في القرب الواسع من حضور كل الأشياء.
*ماذا لو كان لمارتن هيدغر حساب على الإنستغرام؟
أتخيله الإنفلونسر الذي يكره فكرة التأثير ذاتها. يفتح الحساب بتردد كبير، وسيشارك صوراً بسيطة جدا ملتقطة بدون فلاتر أو زوايا جميلة. لاريلز، لا ستوري، لا تريند. فبالنسبة له، إنستغرام هو مثال واضح على الإطار الذي تحدث عنه، حيث يحول كل شيء إلى مادة يمكن مشاهدتها وإعجابها واستهلاكها.
كان سينظر إلى عدد اللايكات ويراه نوعًا من التفكير الحسابي الذي يبعدنا عن دهشة الوجود الحقيقية.
وينتهي به الأمر بحذف التطبيق كليًا.
•كيف يحمل الكاتب وطنه؟
يرى سلمان رشدي أنّ «للذاكرة حقيقة خاصة بها، تختار، تحذف، تتمادى، تقلل، تجمّل وتنقد وفي النهاية تخلق حقيقتها».
منذ أيام ترافقني رواية أصدقائي لـ هشام مطر، وما شدني بعيدًا عن موضوع الرواية الذي سأعود للكتابة عنه، الخيط الخفي الذي يصل أعماله كلها وهو ذاكرة لا تكف عن الاشتغال، كأن الكتابة عنده عودة متكررة إلى نقطة لم تُحسم.
القارئ المعتاد على نصوصه يعرف مسبقًا أنه سيدخل إلى ليبيا، إلى سياستها وظلالها الثقيلة، وأن ثيمة الأب حتمًا ستكون حاضرة. هذه العناصر تبدو عنده ضرورة، كأنها الأعمدة التي لا تقوم الكتابة دونها، حتى وهو يكتب بلغة أخرى ويعيش في سياق مغاير.
يذكرني بـ ألبير قصيري، الذي غادر مصر منذ أربعينيات القرن الماضي، واستقر في باريس حتى نهاية حياته، ومع ذلك ظل يكتب عن مصر وحدها. رغم أنها لم تكن مصر المطابقة للواقع، لأنها مصر التي صقلتها الذاكرة، اختزلتها، وربما أعادت تخييلها.
فهل ينظر الكاتب في المهجر إلى الخلف وهو يمشي إلى الأمام؟
تبدو الصيغة خادعة. الكاتب لا يلتفت إلى الخلف بقدر ما يحمله معه. فذاكرته مادة خام تُعاد صياغتها باستمرار. تتحول الكتابة إلى مساحة بين زمنين، زمن عاشه الكاتب ولم يكتمل فهمه، وزمن يكتبه الآن في محاولة لإعادة ترتيبه.
تجربة الكتابة ليست تقدمًا خطيًا. هي أشبه بحركة دائرية، تعود إلى النقطة نفسها في كل مرة، مع اختلاف طفيف في زاوية النظر. لذلك يمكن قراءة هذا التعلق بالذاكرة كإدراك ضمني أن بعض التجارب لا تُحسم مرة واحدة، وأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لمقاربتها دون ادعاء امتلاكها.
عند هشام مطر، يتخذ هذا الأمر بعدًا أكثر حدة، لأن الفقد لم يُغلق. غياب الأب القسري ظل فراغ مستمر في الحاضر. لذلك تبدو كتاباته كأنها محاولة لملء هذا الفراغ بالكلمات، أو على الأقل لتحديد حدوده. يخلق شكلًا يمكن أن يُحتمل داخله هذا الغياب.
يمكن القول إن الكاتب حين يُقتلع من سياقه الأول، لا يفقده تمامًا لأنه يتحول هذا السياق إلى داخله. وتصبح الكتابة فعل اكتشاف للعالم بقدر ما تصبح فعل استعادة له، أو محاولة لإعادة ترتيبه بما يجعله قابلًا للفهم. هذا قد يضيء على ظاهرة الأدباء في المهجر الذين يحملون وطنهم داخلهم كمادة خام تُعاد صياغتها باستمرار.
قد لا يبدو النظر إلى الخلف نقيضًا للمضي إلى الأمام. أحيانًا يكون هو الطريق الوحيد إليه.