من أمام المجلى!


خلي مكانك المطبخ🫧👩‍🍳😱

Author

عبير اليوسفي

مع بدايات شهر رمضان، صادفتُ على موقع إكس جدلًا واسعًا حول إعلان لإحدى شركات المطابخ حمل عبارة: «خلي مكانك المطبخ»، وهي جملة سرعان ما أثارت غضبًا نسويًا، لأنها محمّلة بتاريخ من الاستخدام الذي لم يكن بريئا. استُعملت طويلًا لتذكير المرأة بحدود مرسومة سلفًا، ولتحويل مساحة من البيت إلى تعريف كامل لحياتها. لكن هل يصبح المكان إهانة؟

في الأصل، لم يكن المطبخ فضاءً مؤنثًا. عبر قرون طويلة كان الطهي مهنة عامة، يمارسها الرجال في القصور والأسواق والجيوش. وفي أوروبا العصور الوسطى كانت المطابخ الكبيرة جزءًا من اقتصاد القصور يعمل فيها طهاة ذكور. حتى اليوم حين ننظر إلى صناعة الطهي الاحترافية، نجد أسماء رجال تتصدر المشهد الإعلامي. لكن حدث التحول مع صعود النموذج العائلي الحديث في القرن التاسع عشر، حين أُعيد تنظيم البيت بوصفه مجالًا خاصًا، وأُسندت الرعاية والعمل المنزلي إلى المرأة بوصفه طبيعتها .

ومع هذا الانتقال نشأ ما يسميه بعض المنظّرين العمل غير المرئي، جهد يومي يتكرر ويختفي أثره فورًا ولا يُترجم إلى أجر أو اعتراف اجتماعي. تبدأ الإهانة الحقيقية حين يُعامل هذا الجهد بوصفه بديهيًا، وحين يُختزل الإنسان في أداء وظيفة لا يُعترف بها، لأن المشكلة ليست في الطبخ ولا في التنظيف، وإنما في افتراض أن هذا الجهد قدرٌ أنثوي لا يحتاج إلى إعادة توزيع.


الأدب كان أكثر حساسية تجاه هذا، لأن المكان عنده لا يحمل معنى ثابتًا. قد يكون المطبخ مساحة قسر، وقد يكون مختبر ذاكرة. في كثير من الروايات يتشكّل وعي النساء في هذا الحيز، لأنه حمّال للأصوات والروائح والاعترافات الأولى. أتذكر في العام الماضي، حين طلبت جائزة البوكر الدولية من الكتّاب المرشحين أن يلتقطوا صورة لمكان عملهم، ظهرت طاولات مطابخ، وأجهزة حاسوب قرب حوض الغسيل. كانت الكتابة تحدث هناك في قلب البيت، ولم يفقد النص جديته لأنه كُتب قرب مجلى.

وفي هذه الأيام، يمتد الوقت في المطبخ ويصبح العمل أكثر وضوحًا، لكنه يظل غير محسوب. تتضاعف الوجبات، وتُختصر الساعات الشخصية. ولا يبدو الحديث حول مكان المرأة حديثا رمزيًا فقط، اقتصاديًا أيضًا. النظام الاجتماعي الحديث قائم على رعاية مستمرة تُفترض تلقائيًا، وعلى قدرة المرأة على الجمع بين الداخل والخارج من دون أن يُعاد توزيع العبء فعليًا.

ربما لا تعني إعادة تعريف المطبخ تمجيده ولا تبرئته، وإنما تحريره من المعنى القسري الذي أُلصق به. أن يستعيد صفته كمساحة عادية داخل البيت، أن يكون اختيارًا ممكنًا، وليس توصيفًا جاهزًا للهوية، ولا تهمة تُلقى في وجه امرأة، ولا بطولة صامتة يُنتظر منها أن تؤديها كل يوم. فالقيمة لا تنبع من الموقع ذاته، وإنما من حرية الانتقال بين المواقع، من القدرة على أن يكون للإنسان أكثر من موضع وأكثر من دور.

ومثلي مثل أي امرأة تقف أمام المجلى في نهاية اليوم، أواجه تراكم الأطباق وفي رأسي فكرة لمقال قادم. فالأفكار لا تبحث دائمًا عن مكتب كي تولد؛ أحيانًا يكفي صنبور ماء مفتوح.

ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

عشوائيات سناب شات🤳📷 عبير اليوسفي ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ تبادلني ابنة أختي صورًا عشوائية على تطبيق سناب شات كل صباح؛ زاوية من السقف، ظل يدها على الأرض، كوب ماء نصف ممتلئ، صورة لحقيبة. هذه اللقطات الصغيرة لا تروي شيئًا مهمًا، وإذا تخطيتها سريعًا لما ظننت أن لها وزنًا. غير أن في تكرارها طقوسًا خفيفة، وحضورا من نوع خاص. هذا مايسمى الستريك، وهو تسلسل يومي من المشاركات الصغيرة عادةً على منصات التواصل الاجتماعي، يرسلها المستخدم لإبقاء العداد بجانب اسمه متواصلًا يوميًا. لا تهدف هذه المشاركات بالضرورة لنقل...

ماذا يقول المرء في ميلاده؟🎈 عبير اليوسفي ١٨ فبراير ٢٠٢٦ ليس كل ما يسقط منّا يُفقد… بعضه يتحول إلى أمنية. يصادف اليوم أن يكون يوم ميلادي مع موعد إرسال هذه النشرة، ومع أول يوم من رمضان. وسط زحمة ومشاغل الأسبوع، فكرت الأيام الماضية في موضوع أكتب عنه، لتبدو الساعات كأنها تسبقني بخطوة، ويصبح العثور على لحظة هادئة نوعًا من الرفاهية المؤقتة. يخطر في بالي قول محمود درويش في قصيدته لاعب النرد: «من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟». وربما لهذا بالذات يربكني عيد الميلاد كل عام؛ لأن المرء لا يعرف تمامًا ماذا...

سحر الأدب المستقل📖🖋️ عبير اليوسفي ١١ فبراير ٢٠٢٦ هل يعقل أن يكتب أحدهم أعظم الأعمال الأدبية في العالم، ثم يكرهها أو يشعر بالخجل منها؟ السؤال يبدو للوهلة الأولى، كأنه يطعن في فكرة الإبداع ذاتها. لكن العلاقة بين الكاتب ونصه، نادرًا ما تكون علاقة حب صافٍ أو اعتزاز دائم. في كثير من الأحيان تنتهي الكتابة إلى منطقة رمادية يتجاور فيها الرضا مع النفور. وليس غريبًا أن يخالف الكاتب ما يُعرف بلعنة العمل الأول، تلك الفكرة التي تقول إن النص الأول يظل الأشهر أو الأكثر التصاقا باسم صاحبه. مع مرور الزمن، قد...