نافذة على السقوط 😱🚷
عبير اليوسفي
٤ فبراير ٢٠٢٦
نادرًا ما ننتبه إلى اللحظة التي ينكسر فيها نظام حياتنا اليومي. نعيش في إيقاع ثابت، نكرر الأفعال نفسها ونطمئن إلى أن الغد يشبه الأمس. ثم تأتي لحظة صغيرة، لا ترفع صوتها ولا تعلن عن نفسها لكنها تغيّر كل شيء. بين ما كنا عليه وما نصبحه، تبدأ حكاية الإنسان حين يجد نفسه فجأة خارج العالم الذي اعتاد أن ينتمي إليه.
في رواية «التحول» لفرانز كافكا الصادرة عام 1915، نستيقظ مع البطل غريغور سامسا على حدث يُقدَّم لغزًا لا يحتاج إلى حل، لأنه واقع يجب التعايش معه. غريغور موظف بسيط يعيل أسرته، يعيش حياة تقوم على العمل والواجب والشعور بالانتماء إلى دور محدد في البيت والمجتمع. في صباح عادي يجد نفسه وقد تحول إلى كائن غريب، فتتبدل علاقته بجسده، بعائلته، وبالمكان الذي كان يومًا مساحة أمانه. الرواية قصيرة لكنها واسعة بأسئلتها، لأنها لا تشرح سبب ما حدث، ولا تقترح خلاصًا واضحًا، لكن تترك القارئ داخل تجربة إنسان يُدفع بهدوء إلى الهامش، ليُرى من الخارج أكثر مما يُسمَع من الداخل.
يبدو للوهلة الأولى أن التحول حدثًا خارقًا، ومع التقدم في القراءة ينتقل إلى صورة تمثل حالة الإنسان عندما يصطدم بقوة لا يفهمها ولا يستطيع تفسيرها. لا يوجد سبب واضح لما حدث له، ولا جهة يمكن أن يسألها أو يحتج عليها. كأن الحياة نفسها وضعت أمامه واقعًا جديدًا، وطلبت منه أن يتحمل وجوده كما هو. والقوة التي تغير حياته أقرب إلى قدر صامت، لا يبرر نفسه ولا يشرح منطقه. لهذا يصبح تحوله إلى حشرة اختبارًا وجوديًا، لأنه لحظة يُجبر فيها الإنسان على مواجهة هشاشته، وعلى رؤية نفسه خارج صورته المعتادة. غريغور الذي كان موظفًا وابنًا ومعيلًا، يجد نفسه فجأة كائنًا لا يُفهم، حتى من أقرب الناس إليه. ومع ذلك، لا يتوقف عن المحاولة.
يحاول أن يتواصل مع عائلته، أن يشرح لهم أنه ما يزال هو نفسه من الداخل، رغم الشكل الذي صار عليه. يحاول أن يتمسك بدوره القديم، بمكانه في البيت، وبصورته في عيونهم. كل محاولة تنتهي بسوء فهم جديد، أو خوف، أو نفور. لتظهر اللاجدوى كتجربة يومية تعيش في التفاصيل الصغيرة.
هذا الفشل المتكرر لا يجعل القصة مظلمة فقط، لكنه يمنحها بعدها الحقيقي، لأن الحياة في هذا النص تُقاس بالسعي نفسه. يشعر البطل أن النهاية ليست في صالحه، ومع ذلك يتمسك ببقايا إنسانيته. كأن المحاولة حتى وهي محكومة بالفشل، تصبح الشكل الأخير للمقاومة.
مع الوقت، يتضح أن التحول لم يصبه وحده. العائلة نفسها تبدأ في التغير. تخف الشفقة الأولى ثم تتحول إلى ضيق، ثم إلى قسوة صامتة. البيت يتحول إلى مكان يذكره في كل لحظة بأنه لم يعد ينتمي كما كان. المجتمع الصغير الذي يمثله هذا البيت يعكس صورة أوسع من عالم لا يعرف كيف يتعامل مع الضعف طويلًا، فيدفع صاحبه إلى العزلة بدل أن يفتح له مساحة للفهم.
فكرت في الأيام الماضية كيف يصبح سقوط غريغور أكثر من حكاية تحول جسدي أو قصة عائلية حزينة. هو صورة للإنسان عندما يفقد مكانه المألوف في العالم، ويُدفع إلى إعادة تعريف نفسه في فضاء لا يمنحه إجابات جاهزة. في كل محاولة فاشلة ماذا يبقى من الإنسان عندما تُسحب منه أدواره وصورته في عيون الآخرين؟
ربما لهذا تظل تجربة كافكا حية في ذاكرة القارئ. لأنها لا تحكي عن كائن غريب فقط، هي تنقل شعورًا مألوفًا. أن تستيقظ يومًا وتشعر بأن العالم الذي تعرفه لم يعد يتعرّف عليك. ومع ذلك، تستمر في البحث عن معنى، حتى لو بدا هذا المعنى أقرب إلى أمل بعيد منه إلى حقيقة يمكن الإمساك بها.
توصية ظلال:📚
ُ يُعرف الكاتب الإسباني خوليو ياماثاريس باهتمامه بموضوعات الذاكرة، والقرى المنسية، والتحولات الاجتماعية التي تطال الإنسان والمكان معًا. في روايته "المطر الأصفر" يروي حكاية رجل يعيش وحيدًا في قرية مهجورة في جبال شمال إسبانيا، بعد أن غادرها جميع سكانها وبقي شاهدًا أخيرًا على حياة كانت يومًا عامرة. من هذا المكان المنعزل، يفتح الراوي ذاكرته على الماضي، ويتنقل بين صور زوجته وأطفاله والبيوت التي تحولت إلى أطلال، في محاولة لمقاومة النسيان الذي يزحف على كل شيء.
تنقل الرواية إحساسًا بالوحدة، وبالزمن الذي يتآكل ببطء، وبالعلاقة الحساسة بين الإنسان والمكان. تتحول الطبيعة إلى شريك في الحكاية؛ الجبال، والريح، والمطر الأصفر كلها تصبح رموزًا للشيخوخة والفقد، والتحول البطيء للحياة إلى ذكرى.
عمل قصير يترك القارئ أمام تأمل طويل في العزلة والانتماء، وفي الخيط الرفيع الذي يربطنا بالأماكن التي صنعت ذاكرتنا.