غيبوبة الأدب المعاصر


هل يحتاج الأدب إلى كارثة؟

Author

عبير اليوسفي

قبل مدة، قرأتُ مقالًا بعنوان «هل مات الأدب الروسي؟» بترجمة متعب الشمري، يتناول المقال سؤال ندرة ترجمة الأعمال الروسية الحديثة، وتراجع حضور الأدب الروسي في المشهد العالمي قياسًا بمكانته السابقة. ليتيح فرصة للتفكير في مصير الأدب عمومًا، وفي علاقتنا نحن القرّاء بزمن نميل إلى اعتباره ذروة منتهية.

بالعودة إلى القرن التاسع عشر، لا في روسيا وحدها، ولكن في أوروبا والعالم، نلاحظ أنه يبرز بوصفه قرن الأدب بامتياز. ظهرت الرواية في تلك الفترة كمساحة مركزية لفهم الإنسان والعالم. ولأن الأدب يقوم بوظائف متداخلة أخلاقية، فلسفية، اجتماعية، وحتى شبه دينية.جاء النص الروائي مكانًا تُطرح فيه الأسئلة التي لم يكن لها موضع آخر كمعنى الحرية، الذنب، العدالة، الإيمان، مسؤولية الفرد أمام ذاته والآخرين.

كان هذا الوهج ثمرة شروط تاريخية دقيقة، فالقرن التاسع عشر زمن التحولات الكبرى، الثورة الصناعية، تفكك البنى التقليدية، صعود المدينة، انهيار المرجعيات الدينية، وبروز الفرد بوصفه كائنًا مسؤولًا عن مصيره. لم تكن الفلسفة قد تحولت بعد إلى خطاب أكاديمي، ولا العلوم قد احتكرت تفسير الإنسان. في هذا الفراغ تقدّم الأدب ليكون المختبر الأوسع للتجربة الإنسانية الحديثة.

الأدب الروسي تحديدًا كُتب في سياق أكثر حدّة. مجتمع متأخر تاريخيًا يعيش فجوة مؤلمة بين حلم أوروبا وواقع القمع. هذه التوترات منحت النصوص الروسية صرامتها وثقلها، وأكسبتها ما يبدو اليوم برودة أو قسوة بمعنى الجدية الوجودية. لم يكن الكاتب الروسي يكتب ليجامل القارئ، كان النص يؤدي وظيفة أقرب إلى الشهادة أو المساءلة الأخلاقية.

هذا كله يفسر لماذا يبدو القرن التاسع عشر عالميًا، ولماذا نعود إليه بوصفه مرجعية. لكن هذه العودة تنطوي على خدعة خفية فنحن لا نرى ذلك القرن كاملًا، وإنما نرى قممه التي نجت من النسيان. عشرات وربما مئات الأعمال التي كُتبت آنذاك اختفت، ولم يبقَ في الذاكرة سوى الاستثناءات. نقارن حاضرًا متشظيًا بماضٍ جرى تنقيته عبر الزمن، ثم نستنتج أن الأدب قد تراجع.

في الأزمنة اللاحقة، تغيّرت وظيفة الأدب. القرن العشرون شهد انتقال الأسئلة الكبرى إلى حقول أخرى مثل الفلسفة، علم النفس، السياسة، الإعلام، ثم السينما والصورة. لهذا ابتعد الأدب عن مركز التفسير، وأصبح واحدًا من أصوات متعددة. ومع هذا التحول فقد النص قدرته على أن يكون حدثًا كونيًا جامعًا، ودخل مرحلة أكثر تواضعًا، يكتب فيها التفاصيل الصغيرة، والتعب اليومي، واللايقين الطويل.

يظهر هنا مفهوم المنطقة الرمادية التي يحرث فيها الأدب المعاصر. لم تعد الصراعات واضحة المعالم، ولا البطولة ممكنة، ولا الخلاص مطروحًا. لأن الأدب يكتب عن حياة بلا ذروة، وعلاقات غير مكتملة، عن انتظار ممتد، عن شعور خافت بالانهاك. هذه الكتابة قد تبدو رتيبة أو باهتة لمن تربّى على الأدب بوصفه مواجهة كبرى مع القدر، لكنها تعكس زمنًا فقد مراكزه، ويعيش في حالة ضباب دائم.

إذًا هل يحتاج الأدب إلى كارثة كي يكون محل انتباه؟

التجربة التاريخية توحي أن التوتر الحاد يمنح النص كثافة وضرورة. الحروب، الثورات، السجون، المنفى، الانهيارات الكبرى، كلها تصنع كتابة مضغوطة، كأنها مجبرة على قول شيء. لهذا يلمع اليوم أدب الأطراف، ليس لأنه أرقى فنيًا دائمًا، وإنما لأنه يُكتب حيث اللغة والهوية على المحك، وحيث الكتابة فعل بقاء أكثر منها اختيارًا جماليًا.

أما الآداب التي تعيش في مجتمعات مستقرة نسبيًا، فتكتب من داخل استنزاف بطيء بدلًا من صدمة. هذا النوع من الكتابة أقل قابلية للفت الانتباه، وأصعب على الترجمة والتسويق. الأدب الروسي المعاصر يقع في هذه المنطقة تحديدًا، نصوص داخلية كئيبة أحيانًا، بلا خطاب أخلاقي واضح، وبلا سرديات كبرى يمكن اختزالها بسهولة.

وهنا تتدخل الترجمة بوصفها فعل اختيار بدلًا من فعل عدالة ثقافية. ما يُترجم اليوم ليس بالضرورة ما هو الأعمق أو الأهم، لكن ما ينسجم مع ذائقة عالمية محددة، ومع سوق يبحث عن ثيمات واضحة وسرديات قابلة للتداول. الأدب الروسي الحديث لا يقدّم نفسه بهذه الطريقة، فيُهمل بسبب صمته وتعقيده.

لذلك لم يمت الأدب الروسي بالمعنى الحرفي، لكن ما تراجع وما تغيّر هو مركز الأدب وموقعه في شبكة ثقافية مكتظة بالكتابة. خرج عن كونه سلطة تفسيرية كبرى، ولم يعد مطالبًا بأن يقول كل شيء. صار يكتب من الهامش، من التصدّع والمنطقة التي لا تَعِدُ القارئ بخلاص ولا بمعنى جاهز.

قد لا نعيش قرنًا أدبيًا شبيهًا بالقرن التاسع عشر، وقد لا نعيشه مرة أخرى. غير أن هذا لا يعني نهاية الأدب، وإنما تحوّله إلى ممارسة أقل صخبًا وأكثر التصاقًا بزمن يعيش بلا يقين. أدب لا يلمع سريعًا، ولا يُترجم بكثرة، لكنه يراكم أثره في انتظار قارئ مستعد لأن يقبل هذا بوصفه جزءًا من التجربة الإنسانية المعاصرة.


•ظل سينما🎬:

هذا الأسبوع شاهدت فيلم Papusza والذي يقدم سيرة حياة الشاعرة البولندية الغجرية برونيسوافا فايس المعروفة ببابوشا. يصور حياتها منذ نشأتها داخل مجتمع الغجر القائم على الترحال، وصولًا إلى لحظة الاعتراف الأدبي وما تلاها من عزلة وانكسار. ويبرز الفيلم دور الشاعر البولندي يرجي فيتشيركيفيتش الذي اكتشف موهبتها وساهم في نشر قصائدها وترجمتها إلى البولندية، ومنحها حضورًا أدبيًا خارج جماعتها، لكن هذا تسبب في نبذها من جماعتها.

سلط الضوء كذلك على ثقافة الغجر ومحنة مجتمعهم خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، بما في ذلك الاضطهاد الذي تعرضوا له وفقدانهم لأسلوب حياتهم الرحّل. ينتهي الفيلم بتصوير سنوات بابوشا الأخيرة، التي قضتها في عزلة وفقر واضطرابات نفسية، قبل وفاتها عام 1987.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

تاريخ التيه اليومي🌪️🌀 عبير اليوسفي ٢١ يناير ٢٠٢٦ أحيانًا قد يحدث أننا نستيقظ بشعور خفيف بأن شيئًا ما فينا خرج عن مكانه، كأن العالم انزاح نصف خطوة إلى اليسار وتركنا نحاول موازنته طوال اليوم. لا شيء درامي، فقط ثقل صغير يسكن الصدر. نميل إلى الاعتقاد أن الحياة تُقاس بلحظاتها الكبرى كفقد، حب، نجاح، خسارة. نرويها لأنفسنا كالقصص ببداية وذروة ونهاية. غير أن معظم ما يصنعنا يحدث في المساحة التي لا تصلح للحكي السريع، في الأيام التي تمر بلا حدث يُذكر، حيث لا شيء ينكسر بوضوح، ولا شيء يكتمل. هناك بين...

عن افتتان الإنسان بلحظة البدء🎉 عبير اليوسفي ٧ يناير ٢٠٢٦ نواجه دائمًا سؤال كيف كانت البداية؟ كلما أقبلنا على تجربة جديدة أو دخلنا مرحلة مختلفة من حياتنا. في الدقائق الأولى لأي بداية نشعر بأن شيئًا ما قد استيقظ فينا. حماسة غير مبررة، طاقة تبدو فائضة عن الحاجة، إحساس خفيف بأن العالم صار أخف وزنًا، وأن ما كان يثقلنا بالأمس يمكن تجاوزه الآن بسهولة. تمنحنا البدايات هذا الوهم الجميل أن الطريق نظيف، وأن الماضي توقف عند العتبة، وأننا ندخل زمنًا جديدًا بأدوات أنقى ونوايا أوضح. ثم تمضي الأيام ويتراجع...

كيف كان طعم العنب؟🍇 عبير اليوسفي ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥ قبل عام، كتبت في أول عدد من ظلال عن البدايات، وعن طقس اسباني بسيط يُمارس في نهاية العام. تناول حبة عنب مع كل دقة من دقات الساعة، على أمل أن يكون العام الجديد أخف، أو أقل قسوة، أو أكثر احتمالًا. يومها لم أكن أعرف ماذا أنتظر من هذه النشرة، ولا إن كنت سأستطيع الاستمرار أسبوعًا بعد أسبوع. كنت أعرف فقط أنني أريد مساحة أكتب فيها بهدوء، خارج ضغط الظهور، وخارج حسابات الخوارزميات، مكانًا يسمح للفكرة أن تتشكل دون أن تُدان. اليوم، وأنا أكتب العدد الأخير من...