عن الأمكنة التي تصنعنا⛰️🌊🏜️
عبير اليوسفي
٢٨ يناير ٢٠٢٦
في حديث عابر، اكتشفت أن الجغرافيا لا تسكن حولنا فقط، لكنها تقيم فينا. القادم من الجبل، يحنّ إلى الارتفاع والصدى والوقوف على حافة السماء. والقادم من البحر، يفتقد الأفق المفتوح والموج الذي لا يحفظ شكله. كأن كل واحد منّا يحمل تضاريسه الأولى في صدره كطريقة في الإحساس بالعالم.
ظلت الفكرة في رأسي تدور عن الكيفية التي يتسلل بها المكان إلى تكوين الحساسية الإنسانية نفسها. فالطبيعة حين تدخل التجربة، لا تبقى خلفية صامتة، لكنها تتحول إلى قوة تضبط الإيقاع الداخلي للفرد، وتؤثر في علاقته بالزمن، وبالآخرين، وبذاته. كأن الجغرافيا تمنحنا شكلًا معينًا للنظر، قبل أن تمنحنا منظرًا ننظر إليه.
قد يقود التفكير في المكان مباشرة إلى الأدب. فالكتابة في جوهرها ليست سوى محاولة لتنظيم التجربة الإنسانية في لغة، والمكان أحد أكثر عناصر هذه التجربة رسوخًا. في حياة كثير من الكتّاب، يتقدم الفضاء الذي عاشوا فيه بوصفه عنصرًا تأسيسيًا في تكوين رؤيتهم، ليس فقط مسرح للأحداث.
قبل سنوات كنت كتبت موضوعًا عن مدن الأدب، وكيف يسعى الأدب إلى نقل المدن لنا دون زيارتها. فيودور دوستويفسكي على سبيل المثال، تحضر بطرسبورغ في نصوصه ليست مدينة فحسب، لكنها حالة ذهنية، مساحة تُنتج أسئلة عن الذنب والمسؤولية والانقسام الداخلي.
على الضفة الأخرى، تظهر الطبيعة المفتوحة بوصفها حاضنة لنوع مختلف من الأسئلة. إرنست همنغواي، الذي عاش طويلًا بين البحر والبراري، كتب شخصياته في تماس مباشر مع الامتداد الطبيعي. أشهر رواياته «العجوز والبحر» كان البحر فيها قوة تُقاس بها الإرادة والاحتمال والخسارة. تتحول العلاقة مع الطبيعة إلى تجربة وجودية، يختبر فيها الإنسان حدوده أمام شيء أوسع منه، وأقدم منه. ويتكرر هذا التباين في تجارب شعرية وروائية أخرى.
يمكن النظر إلى الجبل والبحر كنموذجين إدراكيين أكثر منهما صورتين شعريتين. يقدم الجبل تجربة للحدّ والعلوّ. وقد يفرض الارتفاع وعيًا بالمسافة والجهد والتراكم. والزمن يُختبر بوصفه صعودًا بطيئًا، خطوة بعد أخرى. لهذا كثيرًا ما يتجاوب هذا النوع من الفضاء مع سرديات تميل إلى التأمّل في الصبر، والعزلة، والمسؤولية الفردية.
في المقابل يقدم البحر تجربة للامتداد والتحول. والزمن فيه يُختبر بوصفه حركة متكرّرة، مدًّا وجزرًا، حضورًا وغيابًا. لهذا تميل النصوص التي تتخذ من السواحل أو الرحلة البحرية إطارًا لها إلى مساءلة الهوية والانتماء والمعنى في فضاء مفتوح على الاحتمالات.
هذا الحضور لا يقتصر على الأدب المكتوب. في السينما أيضًا، يُستخدم المكان بوصفه لغة بصرية موازية للحكاية. تظهر الجبال غالبًا كمجال للمواجهة والانكشاف، حيث يُختبر الجسد في علاقته بالثقل والحدّ، بينما يُستدعى البحر بوصفه مساحة للتيه والحركة، حيث تصبح الشخصية في تماس مباشر مع فكرة الاحتمال أكثر من فكرة الوصول.
اللافت أن العلاقة لا تسير في اتجاه واحد. ليس المكان وحده ما يشكّل الإنسان، ولا الإنسان وحده ما يمنح المكان معناه. ما يحدث أقرب إلى تفاعل مستمر. المرء يرى الطبيعة من خلال خبرته، والطبيعة تعيد ترتيب خبرته من خلال ما تفرضه عليه من إيقاع وحدود واتساع.
حين نشتاق إلى الجبل أو البحر، قد لا نكون في الحقيقة نستعيد موقعًا جغرافيًا بقدر ما نستعيد طريقة قديمة في فهم العالم. حنيننا يكون إلى كيف كنا نرى الزمن، والذات، والآخر، حين كان الأفق إما قمة واضحة أو خطًا مفتوحًا على البعيد.
هكذا تتجاوز معالم الطبيعة كونها أرضًا نعيش عليها، لتصبح أحد الأطر التي نفكر من خلالها، ونكتب بها، ونعيد بها صياغة علاقتنا بالعالم.
توصية ظلال 📚
تبدأ الرواية اليابانية «لو اختفت القطط من العالم» لغينكي كاوامورا من فكرة بسيطة، شاب يكتشف أنه مصاب بمرض عضال، وفي لحظة بين اليأس والذهول يظهر له الشيطان كشبيه له، ليعرض عليه صفقة غريبة. مقابل كل يوم إضافي في حياته، يجب أن يختفي شيء من العالم. فكرة تبدو أقرب إلى لعبة، لكنها سرعان ما تتحول إلى رحلة داخل الذاكرة والعلاقات والأشياء التي نمر بها دون أن نمنحها وزنها الحقيقي.
تتقدم الرواية بخفة أسلوبية واضحة، تعتمد على السرد البسيط واللغة القريبة من القارئ، وهو ما يجعل الأسئلة الكبيرة التي تطرحها تمر بهدوء.
يحمل العنوان حضور القطط الذي يذكر بمكانتها الخاصة في الثقافة اليابانية عمومًا وفي الأدب خصوصًا. فالقط في كثير من النصوص اليابانية، يظهر ككائن يقف بين البيت والعالم الخارجي، وما يمكن فهمه وما يظل عصيًا على التفسير. وفي أعمال موراكامي، يظل هذا الكائن شاهدًا صامتًا على وحدة الإنسان وأسئلته الداخلية.
في رواية كاوامورا حين تصل الصفقة إلى احتمال اختفاء القطط من العالم، يتغير وزن الفكرة كلها. لم يعد الأمر متعلقًا بأشياء يمكن تعويضها أو نسيانها، لكن بعلاقات يصعب استبدالها أو تكرارها.
تستخدم الرواية القطط كجسر بين الخاص والعام. فهي من جهة جزء من حياة البطل الشخصية وذكرياته مع أمه ومع لحظات طفولته، ومن جهة أخرى تنتمي إلى تقليد ثقافي أوسع يرى في القط رمزًا للألفة والغرابة في آن واحد.
تغلق الرواية على تذكير أن قيمة الحياة ليست في عدد الأيام التي نعيشها، وإنما في الأشياء والعلاقات التي تجعل هذه الأيام قابلة لأن تُعاش.
«الحياة مأساة حقيقية من قريب، لكن إذا ابتعدنا قليلًا ونظرنا إليها، سنجدها ملهاة هزلية. »