عن افتتان الإنسان بلحظة البدء🎉
عبير اليوسفي
٧ يناير ٢٠٢٦
نواجه دائمًا سؤال كيف كانت البداية؟ كلما أقبلنا على تجربة جديدة أو دخلنا مرحلة مختلفة من حياتنا.
في الدقائق الأولى لأي بداية نشعر بأن شيئًا ما قد استيقظ فينا. حماسة غير مبررة، طاقة تبدو فائضة عن الحاجة، إحساس خفيف بأن العالم صار أخف وزنًا، وأن ما كان يثقلنا بالأمس يمكن تجاوزه الآن بسهولة. تمنحنا البدايات هذا الوهم الجميل أن الطريق نظيف، وأن الماضي توقف عند العتبة، وأننا ندخل زمنًا جديدًا بأدوات أنقى ونوايا أوضح. ثم تمضي الأيام ويتراجع الاندفاع، وتعود الحياة ببطئها المعتاد، فنكتشف أن البداية كانت لحظة شعورية مكثفة أكثر مما كانت تغييرًا فعليًا.
يحب الإنسان البدايات لأنه كائن يعيش على الأمل المؤجل. فالبداية تمنحه فرصة لإعادة تعريف نفسه دون أن يقدم بعد دليلًا على قدرته على الاستمرار. لأنه في لحظة البدء لا يُسأل المرء عما سينجزه، يكفي أنه قرر والقرار ذاته يصبح إنجازًا مؤقتًا. لهذا تبدو البدايات مريحة نفسيًا، فهي تعلق المحاسبة وتؤجل الأسئلة الدسمة التي نخشاها مثل ماذا بعد؟ كم سنصمد؟ وهل نملك ما يكفي من الصبر؟
تقول لنا الفلسفة أن الزمن ليس خطًا مستقيمًا كما نحب أن نتخيله. أوغسطين رأى أن الزمن تجربة داخلية، يُقاس بالشعور. لذا كانت البداية ليست تاريخًا على التقويم، وإنما حالة وعي. نبدأ حين نشعر أننا بدأنا، ونتوقف حين نفقد هذا الشعور حتى وإن واصلنا الحركة. لهذا يمكن لشخصين أن يبدآ في اليوم ذاته، ويعيش كل واحد منهما زمنًا مختلفًا تمامًا.
الأدب بدوره مولع بالبدايات. الجملة الأولى في الرواية كثيرًا ما تحمل وعد العالم كله، وكأن الكاتب يقول للقارئ "تعال هنا شيء يستحق الانتباه". كثير من الأعمال الأدبية العظيمة تبدأ بولادة، أو فاجعة، أو رحيل، لأن الأدب يعرف أن التحول الحقيقي يبدأ من شرخ. البداية الأدبية هي نقطة اهتزاز، وربما لهذا تبدو بدايات الروايات أكثر رسوخًا في الذاكرة من نهاياتها، لأننا نتذكر اللحظة التي اختل فيها التوازن أول مرة. يشبه الأمر تذكر متى وقعت في الحب لأول مرة!
الكتّاب يعيشون حياتهم كسلسلة من البدايات المتكررة. كل نص محاولة جديدة، وكل صفحة أولى مواجهة صريحة مع الشك. والكتابة نفسها فعل بدء دائم، حتى عند التعب وحتى بعد الفشل. لا أحد يبدأ وهو متأكد، واليقين لا يزور الكاتب إلا بعد فوات الأوان. لهذا تحمل البدايات عندهم طعمًا مزدوجًا من إغراء وتهديد في آن واحد.
ومع مرور الوقت يخفت الحماس. ليس لأن البداية كانت كاذبة، لكن لأن الاستمرار يطلب ما هو أثقل من الرغبة انضباطًا، صبرًا، قبولًا بالرتابة، وقدرة على العمل دون تصفيق داخلي. في هذه المرحلة يتخلى كثيرون عن بداياتهم، ولا يكون السبب عجزاً في الغالب لكنها الخيبة. كانوا ينتظرون شعور البداية أن يدوم، وحين تراجع ظنوا أن الطريق انتهى.
ثقافتنا تمجد البدء أكثر مما تمجد الاستمرار. نحتفل بالانطلاقة، ونصفق للقرار، ثم نصمت أمام المسار الطويل. الفلسفة الأخلاقية في المقابل، ترى أن القيمة تتشكل في الاستمرار، في الفعل اليومي الصامت، في التزام لا يراه أحد. المعنى لا يولد في الدقيقة الأولى، لكنه يتراكم ببطء، وغالبًا دون نشوة.
بداية العام الجديد مثال واضح على هذا التواطؤ الجماعي مع فكرة البدء. نتفق جميعًا على لحظة واحدة نعلق عليها آمالنا، كأننا نحتاج شهودًا كي نصدق أننا قادرون على التغيير. ومع ذلك، حين لا نفي بوعودنا نشعر بالذنب، مع أن المشكلة ليست فينا، وإنما في تصورنا للبداية كمعجزة سريعة.
ربما لا نحتاج أن نبدأ بقدر ما نحتاج أن نواصل. ربما لا تكمن الخسارة في خفوت الحماس، لكن في انسحابنا عند أول اختبار صامت. البدايات دائمًا جميلة نعم، لكنها هشة. ما يبقى حقًا هو ما نفعله بعد أن تهدأ الضجة، بعد أن نعود أشخاصًا عاديين، نحاول، نتعثر، ونكمل الطريق على مهل.
وبدلاً من تبادل سؤال: كيف كانت البدايات؟ قد يكون السؤال الأهم هو: ماذا فعلنا بعدها؟
•في الموسيقى 🎶:
ولد باخ في عائلة موسيقية فقيرة نسبيًا في آيزناخ. كانت الموسيقى لغة البيت اليومية. تعلم العزف على الكمان من والده، وحين لم يبلغ العاشرة توفي الأب، وبعده بعام واحد لحقت به الأم. في سن مبكرة جدًا وجد نفسه يتيمًا، وانتقل للعيش مع أخيه الأكبر يوهان كريستوف وهو موسيقي. هناك بدأت حياة منضبطة وقاسية دراسة، تمارين طويلة، وقيود صارمة.
يُروى أن أخاه كان يمنعه من نسخ بعض المخطوطات الموسيقية الصعبة، خوفًا على عينيه أو ربما بدافع الغيرة. فكان باخ ينسخها ليلًا على ضوء الشموع سرًا، حتى أضعف بصره. كانت البداية شغف يُمارَس في الخفاء، بإصرار يشبه العناد الهادئ.
في مراهقته، قطع باخ مسافات طويلة سيرًا على الأقدام ليحضر حفلات أو يتعلم من موسيقيين آخرين. وهذا ضمن سعيه للبحث عن المعرفة. اشتغل في وظائف متواضعة داخل الكنائس، عازفًا ومنسقًا للموسيقى.
ما يلفت في بداية باخ أن عبقريته تشكّلت ببطء. لم تكن هناك لحظة إعلان، ولا اعتراف مبكر. كان هناك طفل يتيم، موسيقى تُنسخ في الليل، وصبر طويل على التكرار. ربما لهذا تبدو موسيقى باخ لاحقًا شديدة الانضباط، دون استعراض. كانت بدايته تقول أنها ليست بحاجة إلى حماسة عالية، لكن قدرة على الاستمرار..
✨متى كانت آخر مرة شعرت فيها بأنك بدأت حقًا، لا أنك فقط أعلنت بداية؟
•توصية سينمائية🎬:
يحكي فيلم Rosetta للأخوين داردين عن فتاة تعيش على هامش الحياة، تصارع الفقر كحالة وجودية خانقة. لا يهتم الفيلم بسرد قصة تقليدية بقدر ما يضعنا داخل تجربة جسدية ونفسية مكثفة؛ حيث تتحول أبسط التفاصيل اليومية إلى معركة من أجل البقاء. روزيتا لا تطلب إلا وظيفة، استقرار، حياة عادية، غير أن هذه المطالب البسيطة تبدو بعيدة المنال على نحو قاسٍ. فيلم صامت نسبيًا، متقشف، يراهن على الجسد بدل الحوار، ويكشف كيف يمكن للفقر أن يعيد تشكيل الإنسان من الداخل دون خطابة أو شفقة.