سحر الأدب المستقل📖🖋️
عبير اليوسفي
١١ فبراير ٢٠٢٦
هل يعقل أن يكتب أحدهم أعظم الأعمال الأدبية في العالم، ثم يكرهها أو يشعر بالخجل منها؟
السؤال يبدو للوهلة الأولى، كأنه يطعن في فكرة الإبداع ذاتها. لكن العلاقة بين الكاتب ونصه، نادرًا ما تكون علاقة حب صافٍ أو اعتزاز دائم. في كثير من الأحيان تنتهي الكتابة إلى منطقة رمادية يتجاور فيها الرضا مع النفور.
وليس غريبًا أن يخالف الكاتب ما يُعرف بلعنة العمل الأول، تلك الفكرة التي تقول إن النص الأول يظل الأشهر أو الأكثر التصاقا باسم صاحبه.
مع مرور الزمن، قد يعود الكاتب إلى نص سابق ليكتشف أنه لم يعد يشبهه. لأنه أصبح شاهدًا على وعي قديم، وتجربة داخلية تجاوزها الكاتب أو لم يعد قادرًا على الدفاع عنها.
في الأدب العربي، ثمة تجارب مشهورة لهذا الصراع الداخلي. رائد الرواية العربية نجيب محفوظ رغم حصوله على جائزة نوبل، تحدث في مقابلات عن شعوره أحيانًا بالاستياء من بعض رواياته المبكرة مثل “بين القصرين”، لأنه شعر أن شخصياتها لم تُستكشف كما أراد، وأن النصوص كانت غير مكتملة من وجهة نظره الخاصة. وروايته “أولاد حارتنا” واجهت التأجيل في طباعتها في مصر بسبب الجدل الديني الذي أثارته، ووصفها بأنها أثارت مشاكل لم يتوقعها. إحسان عبد القدوس أيضاً كان يرى عدم الرضا عن بعض رواياته الاجتماعية المبكرة، مثل “النظارة السوداء” و”بائع الحب”، التي اعتبرها سطحية مقارنةً بما كتبه لاحقًا من نصوص أكثر جرأة في معالجة قضايا المجتمع والأسرة. على الرغم من دفاعه عن جرأته في تناول الجنس والحرية، إلا أنه أعرب عن شعور بالندم على بعض الأعمال الأولى التي شعر أنها لم ترتقِ إلى مستوى تطوره الفني.
يوضح هذا أن استياء الكاتب تجاه النص لا يعني بالضرورة أنه فشل، على العكس، هو مؤشر على حساسية الكاتب النقدية تجاه عمله وفهمه للتطور الإبداعي المستمر. الكاتب يرى في النصوص السابقة أحيانًا حدودًا لم يخترقها، أو فجوات في التعبير عن رؤيته للعالم، بينما يقدّر القراء جماليتها وأهميتها الثقافية.
ليس هذا الصراع مقتصراً على الأدب العربي، هو ظاهرة عالمية تكشف عن عمق التجربة الإبداعية. في الأدب الغربي على سبيل المثال، كره فرانز كافكا معظم أعماله إلى درجة أنه طلب من صديقه ماكس برود حرق مخطوطاته بعد موته، بما في ذلك روايات مثل “التحول” و”المحاكمة”، لأنه رآها غير مكتملة ومليئة بالعيوب. كذلك، أبدى آرثر كونان كرهاً شديداً لشخصية شرلوك هولمز الذي قتله في إحدى القصص للتخلص منه، معتبراً إياها تشتتاً عن أعماله التاريخية الجادة، رغم أنها جعلته مشهوراً. وفي حالة لويزا ماي كتبت النساء الصغيرات لأسباب مالية، لكنها كرهتها لاحقاً لأنها اعتبرتها أخلاقية مملة لا تعكس طموحاتها الأدبية الحقيقية "ويظهر هذا المشهد في مسلسل تناول سيرة الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون". حتى ليو تولستوي صاحب الحرب والسلام، أعرب عن عدم رضاه عن بعض أعماله الشهيرة، معتبراً إياها غير كاملة فلسفياً مع تطور أفكاره الروحية. هذه الأمثلة تظهر أن الكره غالباً ما ينبع من الشهرة الزائدة أو الضغط الخارجي، مما يجعل الكاتب يشعر بأن عمله أصبح سجناً يحبسه في صورة سابقة.
التحليل الفلسفي للنصوص التي يكرهها كتابها يفتح تصورًا مهمًا أن الكتابة ليست مجرد عملية إنتاجية، هي صراع داخلي دائم. النص الذي يستاء الكاتب منه قد يحمل في طياته صدى تجربته الإنسانية، وهو يمثل لحظة محددة من تطوره الإبداعي. ومع مرور الزمن، يصبح النص مرآة تعكس ما كان الكاتب عليه مما يولد شعوراً بالاغتراب. هذا الاغتراب كما يفسر النقاد يشبه مفهوم “موت المؤلف” عند رولان بارت، حيث ينفصل النص عن مؤلفه ويصبح ملكاً للقراء، بينما يظل الكاتب يعاني من النظر إليه كجزء من ماضيه غير المرغوب. كما أن عوامل نفسية مثل الاكتئاب أو الضغط الاجتماعي تلعب دوراً، كما في حالة كافكا الذي عانى من عدم الثقة الذاتية.
يصبح هذا الكره أو الإستياء دليلاً على حيوية الكاتب الذي يستمر في النمو، تاركاً نصوصه تتحدث عن نفسها. وتعتبر جزءًا من سحر الأدب نفسه. النص يصبح كيانًا مستقلًا حيًّا، ينجو من نقد خالقه ليصبح ملكًا للقراء، بينما يظل الكاتب مشغولًا بإعادة قراءة ذاته في ضوء ما كتبه. هذا الصراع الدائم يجعلنا نفهم الكتابة أكثر كرحلة إنسانية مستمرة، تتخطى اللحظة الإبداعية لتصبح تجربة تأملية.
في ذكرى وفاة بلاث:
وصف تيد هيوز زوجته المنتحرة سيلڤيا بلاث "كانت عبارة عن برميل مليء بالسم تنبعث منه رائحة زكية ".
تحل اليوم ذكرى وفاة الشاعرة والكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث. في عام 1956، التقت بالشاعر البريطاني تيد هيوز في حفلة وتزوجا بعد أشهر قليلة فقط. كان زواجهما مزيجاً من الإلهام المتبادل والصراعات الداخلية. دعما بعضهما في الكتابة، لكن التوترات النفسية والغيرة المهنية أدت إلى تفكك العلاقة. اضافة إلى أن هيوز خاض علاقات أخرى أدت إلى انفصالهما .
في صباح يوم الإثنين الحادي عشر من فبراير 1963 أوصلتُ صديقتي إلى عملها، وأنا في جهلٍ تامٍّ بالجريمة التي حدثت الليلة التي قبلها في فيزروي رود، وبدأت رائحتها تأخذ في الانتشار بمجرَّد طلوع شمس اليوم التالي. قُدتُ سيارتي بعد ذلك عائدًا إلى البيت، أشعلتُ السخان الكهربائي، وجلستُ خلف طاولة الكتابة محاولًا التركيز. مرت ثلاث ساعات من الصمت الخادع إلى أَنْ رَن الهاتف في حدود الثانية عشرة ظهرًا ليوقظني من غفوتي ويقطع عَلَيَ حجاب الراحة الساذجة التِي كنتُ أشعر بها في تلك الأثناء.
رفعتُ السماعة لأتلقى الرصاصة المكونَة من الكلمات الأربع التي ستظلُّ تُطلق عَلَىَّ من كل الاتجاهات، مدى الحياة: ((لَقَدْ تُوُفِّيَتْ زَوجَتُكَ للتَّوّ)
قبل سنوات وقعت في قراءة كتاب " أنت قلت" لـ كوني بالمن، والذي يستعرض التفاصيل المعقدة لهذه العلاقة المتوترة المليئة بالصراع النفسي والعواطف المتضاربة. يصف الكتاب كيف ساهم الزواج في تفاقم أزمات بلاث النفسية.
بعد وفاتها أدار هيوز تركتها الأدبية، ونشر مجموعتها الشعرية “أرييل” التي أصبحت من أبرز أعمالها، لكنه تعرض لانتقادات بسبب تعديلاته على النصوص.