مايطير من كف اليد!


ماذا يقول المرء في ميلاده؟🎈

Author

عبير اليوسفي

ليس كل ما يسقط منّا يُفقد… بعضه يتحول إلى أمنية.

يصادف اليوم أن يكون يوم ميلادي مع موعد إرسال هذه النشرة، ومع أول يوم من رمضان. وسط زحمة ومشاغل الأسبوع، فكرت الأيام الماضية في موضوع أكتب عنه، لتبدو الساعات كأنها تسبقني بخطوة، ويصبح العثور على لحظة هادئة نوعًا من الرفاهية المؤقتة.

يخطر في بالي قول محمود درويش في قصيدته لاعب النرد: «من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟». وربما لهذا بالذات يربكني عيد الميلاد كل عام؛ لأن المرء لا يعرف تمامًا ماذا ينبغي أن يقول عندما يتقدم به الوقت سنة أخرى، ولا كيف يمكن تلخيص حياة كاملة في جملة عابرة.

سأقول أنه قبل أيام سقط من عيني رمش على وجهي. التقطته تلقائيًا كعادة طفولية ساذجة علقت في الذاكرة من مشاهدة الأفلام؛ وضعته على كف يدي تمنيت أمنية، ثم نفخت ليطير. لحظة صغيرة للغاية بالكاد تُرى، لكنها أعادت إليّ شعورًا بأن الإنسان يبتكر دائمًا طقوسًا خفيفة ليجعل مرور الزمن أقل قسوة. نحن نعرف أن الرمش لن يحمل شيئًا، ومع ذلك أمنحه مهمة صغيرة أن يحمل أمنية إلى مكان لا أعرفه.

هذه الفكرة ليست بعيدة عن تاريخ البشر مع الطقوس. منذ الأزمنة القديمة ربط الناس بين الأشياء العابرة والرغبات الخفية؛ تمنّي الأمنيات عند رؤية نجم ساقط، أو عند إطفاء شموع عيد الميلاد، وهي عادة يعود أصلها إلى تقاليد قديمة كانت ترى في الضوء والدخان وسيلة لإيصال الرغبات إلى السماء. لا يتعلق الأمر بالتصديق الحرفي، لكن بحاجة داخلية إلى أن تصبح اللحظة العادية قابلة للتأويل، وأن يكون للعابر أثر يتجاوز حجمه الحقيقي.

في بساطته يشبه الرمش الأعوام التي تمر علينا. وجوده ضروري ليحمينا، لكنه يظل غير مرئي تقريبًا، لا ننتبه إليه إلا حين يفارقنا. كذلك السنوات؛ تمر ونحن مشغولون بالتفاصيل، ثم نتوقف فجأة في يوم ميلاد لنكتشف أنها تراكمت حولنا بهدوء. ربما لهذا بدا لي ذلك الرمش كأنه سنة صغيرة انفصلت عني، تركتني أنظر إليها لحظة قبل أن أطلقها في الهواء.

في الأساطير القديمة كانت السماء مليئة بالعلامات. رؤية أول نجمة في الليل كانت تُرفق بأمنية سرية، وهي عادة قديمة انتشرت في الثقافات الشعبية. كان البشر يبحثون دائمًا عن نافذة صغيرة بين الواقع والرغبة، لحظة يعتقدون فيها أن العالم يصغي إليهم. لا فرق كبيرًا بين أمنية تُقال لنجم بعيد وأخرى تُهمس فوق رمش خفيف؛ كلاهما محاولة لإضفاء معنى على ما لا يمكن السيطرة عليه.

أعياد الميلاد نفسها طقس من هذا النوع. بعيدًا عن أننا لا نحتفل لأن الحياة تغيّرت جذريًا بين يوم وآخر، لكن نحتفل لأننا نحتاج علامة تقول إننا عبرنا مرحلة ووصلنا إلى أخرى. كأن نمنح الزمن شكلًا يمكن الإمساك به للحظة قصيرة. هناك شيء مريح في هذه الطقوس، حتى لو بدت بسيطة أو طفولية؛ فهي تذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالمنطق، أيضًا بالرموز.

ومع كل عام جديد، أكتشف أن الأمنيات نفسها تتغير. في الطفولة كانت مرتبطة بأشياء ملموسة وواضحة، أما الآن فهي أقل وضوحًا، أكثر هدوءًا، أقرب إلى رغبة في الطمأنينة أو في أن يظل القلب خفيفًا مهما ازدادت التعقيدات. قد يكون لهذا بدا لي فعل النفخ على الرمش قريبًا من فكرة الكتابة نفسها؛ كلاهما محاولة لإطلاق شيء داخلي إلى الخارج، دون ضمان أن يصل إلى وجهته.

لا أعرف إن كان للرموش قدرة سحرية فعلًا، ولا أظن أن الأمر يهم كثيرًا. ما يهم هو تلك الثانية التي أتوقف فيها وسط ضغوطات الحياة، أغمض عيني قليلًا، وأعترف بأن لدي ما أتمناه بعد. في فجر يوم الميلاد، لم أجد إجابة واضحة لسؤال درويش، ولا أظن أن المطلوب أصلًا هو الإجابة. يكفيني كفّ مفتوحة، وأمنية تطير بهدوء في الهواء.


ليكن في أيامكم ما يستحق أن يُهمَس له بأمنية❤️🎈

ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

سحر الأدب المستقل📖🖋️ عبير اليوسفي ١١ فبراير ٢٠٢٦ هل يعقل أن يكتب أحدهم أعظم الأعمال الأدبية في العالم، ثم يكرهها أو يشعر بالخجل منها؟ السؤال يبدو للوهلة الأولى، كأنه يطعن في فكرة الإبداع ذاتها. لكن العلاقة بين الكاتب ونصه، نادرًا ما تكون علاقة حب صافٍ أو اعتزاز دائم. في كثير من الأحيان تنتهي الكتابة إلى منطقة رمادية يتجاور فيها الرضا مع النفور. وليس غريبًا أن يخالف الكاتب ما يُعرف بلعنة العمل الأول، تلك الفكرة التي تقول إن النص الأول يظل الأشهر أو الأكثر التصاقا باسم صاحبه. مع مرور الزمن، قد...

نافذة على السقوط 😱🚷 فرانز كافكا عبير اليوسفي ٤ فبراير ٢٠٢٦ نادرًا ما ننتبه إلى اللحظة التي ينكسر فيها نظام حياتنا اليومي. نعيش في إيقاع ثابت، نكرر الأفعال نفسها ونطمئن إلى أن الغد يشبه الأمس. ثم تأتي لحظة صغيرة، لا ترفع صوتها ولا تعلن عن نفسها لكنها تغيّر كل شيء. بين ما كنا عليه وما نصبحه، تبدأ حكاية الإنسان حين يجد نفسه فجأة خارج العالم الذي اعتاد أن ينتمي إليه. في رواية «التحول» لفرانز كافكا الصادرة عام 1915، نستيقظ مع البطل غريغور سامسا على حدث يُقدَّم لغزًا لا يحتاج إلى حل، لأنه واقع يجب...

عن الأمكنة التي تصنعنا⛰️🌊🏜️ Visages Villages 2017 عبير اليوسفي ٢٨ يناير ٢٠٢٦ في حديث عابر، اكتشفت أن الجغرافيا لا تسكن حولنا فقط، لكنها تقيم فينا. القادم من الجبل، يحنّ إلى الارتفاع والصدى والوقوف على حافة السماء. والقادم من البحر، يفتقد الأفق المفتوح والموج الذي لا يحفظ شكله. كأن كل واحد منّا يحمل تضاريسه الأولى في صدره كطريقة في الإحساس بالعالم. ظلت الفكرة في رأسي تدور عن الكيفية التي يتسلل بها المكان إلى تكوين الحساسية الإنسانية نفسها. فالطبيعة حين تدخل التجربة، لا تبقى خلفية صامتة، لكنها...