ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.
Share
ماذا لو لم يهاجر؟
Published 11 months ago • 1 min read
و : بالنسبة لبكرا شو ؟
البرفيسور والروائي اليمني حبيب عبدالرب سروري
عبير اليوسفي
٣٠ يوليو ٢٠٢٥
في نقاش قيل لي: “تخيّلي لو أن حبيب سروري لم يغادر اليمن.” كان السؤال دعوة لنقل الكاتب إلى سيناريو تخييلي، لكن ما إن فكرت حتى انقلب إلى سؤال مهم ماذا كنّا سنفقد لو بقي؟ وما الذي كان سيُجبر على كتمانه؟
يعد حبيب عبدالرب سروري بروفيسورًا في علوم الكمبيوتر بجامعات فرنسا، وأحد أبرز الأدباء اليمنيين في المشهد الثقافي، والذي أغنى الرواية اليمنية بأعمال تحاكي الخيال والعلم مع الواقع والتاريخ، ومن خلال متابعتي له يتضح تأثره بأبي العلاء المعري، كما تشهد له أعماله، وكتابه الذي أعلن قبل أيام قرب صدوره بعنوان "كوميديا الغفران من المعري إلى دانتي".
يمكن لي تخيله لولا مغادرته عدن المبكرة، رجلًا ناحلًا يجلس خلف مكتب معدني متآكل في كلية العلوم، يدرس طلابه نظريات رياضية لا تُطبق، وسط فصول لا كهرباء فيها. ينتقل بين أزمة راتب وأزمة وقود، ومكتبة بائسة، لا يُدعى لأي ندوة ولا تترجَم له كلمة، وإن كتب مقالًا صريحًا سيُتهم بالإساءة، وإن نشر رواية ستُصنف ضمن موجة الإلحاد، وفي أقصى الخيال قد يُطلق ناشطون حملة مناشدة له: “أنقذوا المفكر اليمني المهمش”.
في هذا السيناريو لا يكون سروري عالمًا حرًّا ولا كاتبًا ذا أثر واسع في الثقافة العربية. لا يكتب عن العلمانية بوصفها مسارًا تحريريًا، لا يخوض معارك ضد هيمنة الخطاب الديني، ولا يهاجم الأساطير الثقافية حول الجنس والمرأة والمقدس. وإن كتب يكتب بتشفيرٍ دائم وخوفٍ دائم، وقارئٍ مفترض لا يعرفه ولن يجيبه. لا يعود السؤال عن ما كان سيكتبه لأنه يتحول إلى عمّا كان سيسمح له أن يكتبه وفي أي وقت ولأي غاية. تشكلت شخصية حبيب السروري، ضمن تفاعل متين بين العقل العلمي والخيال السردي. عقلٌ لا يهادن، يلاحق التناقضات حتى النهاية، يسخر من المقدس حين يتنكر للعقل، ويفكك الظواهر . لو عاش داخل اليمن لكان عقله هذا معطلاً بنظام إداري يرفض التجاوز وبنظام سياسي يرى في كل اجتهاد تهديدًا. مكانه الطبيعي كان سيُعاد تعريفه كموظف في هيكل مهترئ لا يحتمل النقد. ولن يكون السيناريو مقتصرًا على فشل أكاديمي أو عزلة فكرية. كان يمكن أن يُحاصر اجتماعيًا، أن يُخوّن، أن يُصنف خارج السياق. وبلغة المقالات التي كتبها، يبدو وعيه منحازًا دومًا للحرية كأداة تفكير. والحرية في بلاد كبلاده ليست إلا عقبة. وإن وُجدت فهي مشروطة بمصادرة أخرى. هذا التصادم بين ما يؤمن به سروري وما يفرضه السياق المحلي لن ينتج عنه إلا جثة فكرية متحركة في نظام مغلق.
يلفتني من خلال متابعته الحضور الثقافي الذي بناه في فرنسا ومدينته روان البديلة لعدن. لا يمكن تخيّل رواية مثل ابنةسوسلوف التي كانت أول كتاب اشتريته له حين صدر وباهيت فيه أصدقائي، أو تقريرالهدهد وقد كُتبت من قلب الداخل اليمني دون أن تُدفن وهي لا تزال نصًا أوليًا. تشتبك رواياته مع السلطة السياسية والدينية، وتفكك الأيديولوجيات كما يفكك الرياضي المعادلة من دون أن يسمح للأيديولوجيا نفسها أن تصبح إطارًا تفسيريا لذاتها. ومن الصعب أن ينتج هذا النمط من الكتابة داخل نظام يتغذى من البنية التي يُفككها الكاتب.
في مآل افتراضي أكثر رعبًا يمكن أن نتخيل حبيب وهو يتخلى عن الكتابة تدريجيًا. لأنه فرض عليه صمتًا متدرجًا، يبدأ بالحذر، ثم بالخوف، ثم بعدم جدوى الكلام. يمضي يومه في تصحيح دفاتر طلابٍ لا يملكون شغفًا، أو في مراجعة وثائق رسمية لا معنى لها، أو في متابعة تعيينات لا تمت للكفاءة بصلة. يُستدعى للجان لا حاجة له فيها، ويُمنع من حضور أي ندوة يُخشى أن يخرج منها عن النص.
كان يمكن أن يُختصر في تعريف وظيفي ممل، ويتحول من كاتب يُتابعه جمهور من الخليج إلى المغرب، إلى مجرد اسم على بطاقة جامعية باهتة. أما الفكرة التي عاش من أجلها، فلربما تحولت إلى حسرة داخلية لا تُكتب. إن الذي كان سيُفقد حقًا لو بقي في بلاده، هو أن يكون أحد أهم الأصوات العقلانية الحرة في الثقافة العربية. من نجا من القيد نجا بالفعل الثقافي الذي احتاج المنفى ليجد له فضاء. وهذا المنفى وإن كان بارداً فقد أبقى النار مشتعلة فيه.
البيئة لا تصنع الكاتب على نحو آلي، لكنها تصوغ احتمالات وجوده وتمنح له مساحة حُرة للانطلاق دون قيود.
لو لم يهاجر ربما كان سينكسر. وربما كان سيتكيف ويصمت. وربما في أحسن الأحوال كان سيكتب لكنه لن يُنشر. سيحمل أفكاره كأثقال سرية في درج المكتب، يخاف أن يقرأها أحد، ويخاف أكثر أن لا يقرأها أحد. لهذا تبدو لي الهجرة لمثل حبيب سروري قرار صائبا.
•تحديثات قراءة 📚
أبي العلاء المعري
واحدة من أحب مقاطع فيروز لي في لعبة النسيان والتذكر عندما غنت: “ومتهيألي نسيتك وإنت مخبّى في قلبي”.
ولأن الحديث عن حبيب سروري مستمر، تذكرت هذه الأغنية أثناء قراءة كتاب“لا إمام سوى العقل”، والذي اقتبس عنوانه من صاحبه أبي العلاء المعري. يتناول الكتاب موضوع الصراع في المفاهيم الكبرى مثل العقل، الدين، الإيمان والحرية. ويطرح في أحد فصوله موضوع الذاكرة والنسيان، بوصفهما صراع وجودي وإنساني متشعب .
يصف الكاتب محركات البحث مثل غوغل وفيسبوك باعتبارها “آلهة رقمية” لا تعرف النسيان. تحولت هذه المنصات إلى ذاكرات مطلقة، تحفظ كل أثر نتركه خلفنا، كل سؤال بحثنا عنه ذات يوم، كل شخص راقبناه، كل فكرة مررنا بها ثم نسيناها. لكننا لم ننسَ فعلاً لأنها تذكرَتنا هي.
في المقابل يعرج على هشاشة الذاكرة البشرية، وبالذات حين تخونه في الخمسينيات "كما يعترف عن نفسه "عندما ينسى اسمًا أو بيت شعرٍ كان يعرفه عن ظهر قلب. لكنه يقدم اكتشافًا علميًا مشرقًا وهو أن الدماغ يظل يولد عصبونات جديدة حتى في عمر متأخر، شرط أن نحافظ على خمسة مفاتيح للحياة وهي: الدهشة، البُعد عن التلوث، العلاقات الحية، الرياضة، وتجنب الأدوية الضارة بالدماغ.
هنا التقى عندي صوت فيروز الحنون، بقلق حبيب من احتكار التكنولوجيا للذاكرة، بكتاب “شبقالمتاهات” الذي يتناول موضوع اللامتناهيالشبكي، وعن كيف أن العالم تحول إلى بنية رقمية لا نخرج منها حتى حين نموت، إذ يستمر وجودنا كأثر، كصوت، كصورة، كبيانات قابلة للاستدعاء. وأظن أن تجربتنا المعاصرة مع الموت قد أعادت لنا تعريف طقوس الحزن وعلاقتنا مع التذكر والنسيان، فلا مجال لنسيان الأموات أمام خوارزميات تعيد تذكيرنا بحساباتهم. وبين خيانة النسيان وخطر التذكر الأبدي، يقف العقل كما يريد له المعري وسروري كإمامٍ أخلاقي. يطلب منا أن نعيش وأن نصنع ذاكرة جديرة بأن تتذكر.
منذ بدء الأسبوع، أتابع ماينشر عن رحيل الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني، والجدالات القائمة حوله على مواقع التواصل الإجتماعي. ابن الأسطورة الذي كتب ضدها. خرج من رحم القصيدة الكبرى، من عائلة تأنف من الطين وتغني للضوء، لكنه قرر أن يحفر في الوحل، ويغني لليأس، للسخرية، وللذين لا يستطيعون الوقوف في الصف حتى آخره. ولد وفي أذنه ترتيل المجد الرحباني، واختار أن يعزف خارج هذا الجوق. لأن النشاز حين يكون مميزًا يصير أكثر جمالًا من الانسجام المزور.
في فترة ما من حياتي وانفتاحي نحو الفن، كان لزياد وتهكمه الساخر تأثيرا علي، لهذا يعبرني موته كمشهد من إحدى مسرحياته، مشهد خافت، هامشي، لا يحدث فيه شيء. لكنه يحمل داخله صدعًا عميقًا في قلب الفن. كان نيتشه يرى في الموسيقى خلاصًا من الهاوية، لكن هذه الهاوية برأيي كان لها وصفاً دقيق في ما قدمه زياد طوال مسيرته الطويلة. فالرجل الذي غير وجه الأغنية الرحبانية، لم يكتفِ بالتوزيع أو التلحين، قام بعملية جراحية كاملة في صوت فيروز. جعلها تغني بقلق وبسخرية، وبانكسار لا يشبهها.
كان زياد فنانٌ مدهش، متناقض، جريء، قال أشياء نحتاج لسماعها وأشياء أخرى نحتاج لمراجعتها.. لكن تبقى بصمته في الموسيقى حاضرة بكل جنونها وجرأتها.
كيف تودعنا الرواية؟ 💬 لوحة موت القيصر عبير اليوسفي ١٧ يونيو ٢٠٢٦ يقول الروائي الأمريكي ستيفن كينغ إن الجملة الأولى في أي عمل أدبي هي بمثابة دعوة لتناول العشاء، يمد فيها الكاتب يده للقارئ ليغريه بالدخول. ولكن، إذا كانت الجملة الأولى هي المغناطيس الذي يجذبنا، فإن الجملة الأخيرة هي الروح التي تبقى معنا بعد أن نغلق الكتاب. في الجملة الأولى نكون مستكشفين تملؤنا الدهشة والفضول، أما عند الجملة الأخيرة فنكون قد تثاقلنا بمصائر الشخصيات وعشنا معهم هزائمهم وانتصاراتهم، لتأتي الكلمة الأخيرة كصدمة...
شياطين الشعراء 👿👹 عبير اليوسفي ١٠ يونيو ٢٠٢٦ كان العربي القديم يرى في الشعر سرًا لا يشبه سائر الكلام. فما الذي يجعل رجلًا يجلس في طرف الصحراء، لا يملك سيفًا ولا جيشًا قادرًا بكلمات قليلة على إشعال خصومة بين القبائل أو إطفائها؟ وكيف تستطيع أبيات تُولد في ليلة عابرة أن تبقى حيّة بعد رحيل صاحبها بقرون؟ لم يجد أسلافنا تفسيرًا لهذه القدرة سوى نسبتها إلى قوة خفية ترافق الشاعر وتهمس له بالمعاني. فالأعشى كان له شيطان يدعى «مسحل بن جندل»، وامرؤ القيس له «لافظ بن لاحظ»، وعبيد بن الأبرص له «هبيد بن...
حين نخسر شاهدنا الوحيد💔 عبير اليوسفي ٣ يونيو ٢٠٢٦ في كتابه الذي يشبه معجمًا سريًا للأدباء الأشدّ تمردًا على المألوف، كتب فرانتس بلي عن صديقه فرانتس كافكا: «الكافكا: فأر بهي الطلة، نادر الظهور، لونه في لون زرقة القمر، لا يتغذى على اللحوم، وإنما على الأعشاب مُرّة المذاق، ويتمتع بمظهر جذّاب آسر، له عينان كأعين البشر.» هذه العبارة لم تتركني منذ وقعت عليها «زرقة القمر». ما لونٌ هذا الذي يستحق أن يُخترع له اسم خاص ليصف به كاتبٌ كاتبًا آخر؟ ولماذا يبدو الأزرق دائمًا لونًا يحتاج إلى مسافة حتى نراه...