كيف كان طعم العنب؟🍇
عبير اليوسفي
٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
قبل عام، كتبت في أول عدد من ظلال عن البدايات، وعن طقس اسباني بسيط يُمارس في نهاية العام. تناول حبة عنب مع كل دقة من دقات الساعة، على أمل أن يكون العام الجديد أخف، أو أقل قسوة، أو أكثر احتمالًا. يومها لم أكن أعرف ماذا أنتظر من هذه النشرة، ولا إن كنت سأستطيع الاستمرار أسبوعًا بعد أسبوع. كنت أعرف فقط أنني أريد مساحة أكتب فيها بهدوء، خارج ضغط الظهور، وخارج حسابات الخوارزميات، مكانًا يسمح للفكرة أن تتشكل دون أن تُدان.
اليوم، وأنا أكتب العدد الأخير من عام الظلال الأول، أعود إلى حبة العنب نفسها وأسأل: كيف كان طعمها فعلًا؟
لم يكن حلوًا دائمًا، ولم يكن مرًّا كما توقعت. كان طعمًا يتغير مع الوقت، ومع الصبر.
بعد ساعات يوشك هذا العام على الانقضاء، وتُكمل ظلال عامها الأول من النشر الأسبوعي دون انقطاع. تجربة تبدو بسيطة لكنها في حقيقتها مجهود فردي طويل، تَشكل من التزام ومحاولات متكررة للجلوس أمام الفكرة، حتى في الأيام التي لم تكن فيها الفكرة مكتملة.
بدأت الحكاية بسؤال عابر طرحه محمد الضبع في نشرة السبت: إلى متى ستنتظر حتى تطلق نشرتك؟. كان السؤال كافيًا لخلخلة قناعتي القديمة، وإعادة ترتيب حاجتي لمساحة أكتب فيها دون استعجال. لم أرد نشرة تُنتج رأيًا أسبوعيًا بقدر ما أردت ركنًا معرفيًا صغيرًا أتعامل فيه مع الفكرة كما أراها، لا كما يُفترض أن تُقدم.
خلال هذا العام تغير الكثير. جعلتني النشرة الأسبوعية أكثر انتظامًا في الكتابة كما في القراءة. صرت أقرأ بانتباه مختلف، أتابع الحوارات والكتب والبودكاستات بعين تلتقط الاحتمالات. كل فكرة عابرة أصبحت مشروع نص، وكل سؤال يُقال صار نواة تفكير. حتى الملاحظات السريعة في التايم لاين على حساباتي لم تعد تمر كما كانت؛ بعضها تحول إلى مدخل، وبعضها إلى اعتراض، وبعضها إلى محاولة فهم أبطأ.
كانت الأفكار تتكون من مصادر متعدد مثل كتاب نوقش، مقالة لافتة، مقابلة معرفية، تعليق عابر، أو حوار قصير انتهى دون نتيجة واضحة.
ومع ذلك، لم يكن العام سلسًا. مررت بأسابيع وصلت فيها إلى منتصف الأسبوع بلا فكرة، متسائلة إن كان لدي ما أضيفه حقًا، وإن كان هذا الإيقاع قابلًا للاستمرار. في تلك اللحظات تحديدًا، كانت تصلني رسالة من قارئ أو صديق يخبرني أن النشرة فتحت له باب قراءة، أو حركت لديه سؤالًا مؤجلًا. لم تكن هذه الرسائل دافعًا عاطفيًا للاستمرار، كانت تذكيرًا بأن الكتابة ليست فعلًا فرديًا خالصًا؛ هناك قارئ يُكمل المعنى، ويعيد توجيه النص، ويحوله إلى جزء من حوار أوسع.
تعرفت خلال هذا العام على قراء جدد، وعلى أصدقاء للكتب، وعلى أشخاص يشاركونني قلق الأسئلة نفسها. صارت النشرة مساحة نقاش أكثر منها إرسالًا أسبوعيًا. وكثير من المواضيع لم تولد من الكتب وحدها، جاءت من هذه الحوارات كسؤال، اعتراض، تجربة شخصية، أو اقتراح قراءة جعلني أعيد النظر في فكرة ظننتها محسومة.
حين أسأل نفسي الآن وأنا أعد العدد الأخير للعام الأول كيف أثرت النشرة عليّ؟ أجد أنها جعلتني أكثر صبرًا على الفكرة، وأكثر وعيًا بمسار التفكير نفسه. منحتني نوعًا من الانضباط المعرفي، وعلمتني أن الأفكار لا تظهر فجأة، إنما تتخمر ببطء. قراءة هنا، ملاحظة هناك، حوار عابر، أو لحظة انتباه قصيرة.
كتب هنري ميلر مرة أن الكتابة ليست اكتشافًا للمعنى، لأنها إعادة اختراعه في كل مرة، وصدقت هذا مع الوقت. كنت أظن أن النص مساحة لقول ما أعرفه، ثم اكتشفت أنني أكتب لأعرف، أو لأقترب من شيء يشبه الحقيقة دون ادعاء امتلاكها. كل كتابة تبدو كخطوة إلى الأمام، ثم يتبين أنها عودة إلى سؤال أقدم. الكتابة تعيدنا إلى أنفسنا، إلى النقطة التي حاولنا تجاوزها.
وكان بورخيس يقول إنه يكتب لأنه لا يستطيع أن يفعل غير ذلك، وإن الكتابة عادة روحية أكثر منها قرارًا واعيًا. ربما لهذا كلما شعرت بالشح أو العطب، عدت إلى هذه الفكرة أن أكتب ليس لأن لدي ما أعلنه، بل لأن الكتابة هي طريقتي في البقاء يقِظة.
عام من الظلال لكنه أيضًا عام من النضج، عام من التخمر البطيء الذي لا نلاحظ أثره إلا حين ننظر إلى الخلف.
عام كامل من الكتابة، وقبل ذلك كله عام من التعلم.
شكرًا لكل قارئ شاركني هذا العام وكان جزء من الظلال❤️
•أفضل كتب هذا العام📚:
قبل أن أضع العناوين أحب أن أوضح ، ما سأذكره هنا ليس أفضل بالمعنى التقييمي الصارم، ولا قائمة تُقترح على الجميع بالطريقة نفسها. هي قراءات عبرت هذا العام معي، في توقيته وظرفه وأسئلته، وتركت أثرًا جعلها تستحق أن تُذكر. بعضها وسع فهمي، وبعضها لم يمنحني إجابات بقدر ما فتح أسئلة أكثر دقة.
أؤمن أن القراءة تجربة سياقية؛ الكتاب الذي يلمسنا اليوم قد يمر باردًا في زمن آخر، والنص الذي يبدو عاديًا في ظرف مختلف قد يصبح حاسمًا في لحظة ما. لذلك هذه العناوين ليست توصية جاهزة، هي أثر مسار قراءة شخصي شاركني فيه العام، وتشكل معي ببطء
ألقاكم في العام الجديد ❤️