ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.
Share
لماذا أحب أدب اللاتينية؟
Published 11 months ago • 1 min read
إعادة تشكيل أدبي ✊🏻🔥
صورة تجمع الناشرة الكتالونية كارمن بالسيز مع ماركيز وخوسيه دونوسو وفارغاس يوسا وخورخي ادواردز
عبير اليوسفي
١٩ مارس ٢٠٢٥
تراني إحداهن أميل نحو القارة اللاتينية كلما طلبت مني توصية للقراءة، وأنا التي لطالما شدّني الأدب اللاتيني أكثر من غيره لما يمتلكه من قدرة استثنائية على تصوير معاناة الإنسان بدقة. ربما يعود ذلك إلى ما وصفه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: “إن الكاتب في أمريكا اللاتينية يسير في الأنحاء حاملًا هموم شعبه على كتفيه.” لهذا يتسم أدبهم بحميمية إنسانية فريدة، يتقاطع فيها الواقع بالخيال في سردٍ يشرك القارئ في التجربة.
على مر التاريخ، شهدت هذه القارة تحولات جذرية بعد الثورة الكوبية ليس فقط على المستوى السياسي، بل في الأدب والفنون أيضًا. فقد أعادت الثورة تشكيل المشهد الثقافي، إذ ساهمت في ربط الإبداع بالقضايا الاجتماعية والسياسية، مما منح الأدب اللاتيني هوية أكثر وضوحًا وتأثيرًا. قبل ذلك، كان الأدب اللاتيني متأثرًا بشدة بالواقعية الاجتماعية، حيث ركز على تصوير القهر والظلم الطبقي والقمع السياسي، متأثرًا إلى حد كبير بالتيارات الأوروبية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كانت الكتابة تدور حول القضايا الوطنية، مثل الصراع ضد الاستعمار والديكتاتوريات، كما في رواية السيد الرئيس لميغيل أنخل أستورياس، التي تعد واحدة من أوائل الأعمال التي تناولت الاستبداد السياسي في أمريكا اللاتينية.
ومع ذلك، لم يكن الأدب اللاتيني قد حقق بعد الاعتراف العالمي الواسع، إذ بقي محصورًا داخل حدوده، موجهًا إلى النخب المثقفة مع قلة الدعم الحكومي وضعف انتشار دور النشر والمكتبات. لكن هذا الواقع تغير تمامًا مع اندلاع الثورة الكوبية التي كانت إيذانًا ببداية العصر الذهبي للأدب اللاتيني.
مثلت الستينيات والسبعينيات فترة ازدهار غير مسبوق، إذ برز ما عُرف بـ”حركة البوم” الأدبية، وهي ثورة ثقافية قادها كتاب مثل غابرييل غارسيا ماركيز، خوليو كورتاثار، ماريو فارغاس يوسا، وكارلوس فوينتيس. لم تكن هذه الحركة مجرد اتجاه أدبي، بل قفزة نوعية جعلت الأدب اللاتيني يحظى باهتمام عالمي. وتميزت هذه الفترة بانتشار أسلوب الواقعية السحرية حيث اندمج الواقع القاسي بالخيال لتصوير تحديات سكان أمريكا اللاتينية بطرق جديدة ومبتكرة. ومع حركة “البوم”، بات الأدب أكثر التصاقًا بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وأداة للتعبير عن معاناة الشعوب وآمالها. يمكن القول إنها كانت استجابة طبيعية للثورة، إذ صاغ الأدب الطموحات والأفكار التي ألهمتها بأسلوب سردي فريد. ساعدت وسائل الإعلام كذلك في تعزيز انتشار هذا الأدب، حيث لعبت الصحف والمجلات الأدبية دورًا كبيرًا في الترويج لأعمال الكتاب اللاتينيين. كما أن التغطية الإعلامية للثورة الكوبية سلطت الضوء على أفكار ومواقف المثقفين، ما أسهم في إيصال أعمالهم إلى جمهور أوسع خارج القارة.
خلال هذه المرحلة، ظهرت أعمال شكلت محطات رئيسية في تاريخ الأدب، مثل مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، التي روت حكاية سبعة أجيال من عائلة بوينديا في بلدة ماكوندو الأسطورية، بأسلوب الواقعية السحرية الذي أصبح السمة الأبرز للأدب اللاتيني. كانت هذه الرواية علامة فارقة، حصد عنها ماركيز الفوز بجائزة نوبل. وفي السياق نفسه، نجد السيد الرئيس لميغيل أنخل أستورياس، التي تناولت الاستبداد السياسي، وجعلت كاتبها أول أديب لاتيني يحصد نوبل عام 1967. كما قدمت هذه المرحلة أعمالًا تجريبية فريدة، مثل لعبة الحجلة لخوليو كورتاثار، وهي رواية يمكن قراءتها بطرق متعددة، مما منح القارئ دورًا أكثر تفاعلًا في السرد. وكانت المدينة والكلاب لماريو فارغاس يوسا إحدى أبرز الروايات التي تناولت القمع العسكري في بيرو، وشكلت نقطة انطلاق الكاتب نحو العالمية، حتى فاز بجائزة نوبل عام 2010. هذه الأعمال وغيرها لم تقتصر تأثيراتها على أمريكا اللاتينية، بل غيرت وجه الأدب العالمي، وجعلت من كتاب القارة رموزًا أدبية. كما أن الواقعية السحرية التي ميزت هذه الفترة، فتحت آفاقًا جديدة في الكتابة السردية وأثرت في أجيال لاحقة من الكتاب حول العالم.
لم تقتصر التحولات الثقافية بعد الثورة على الأدب فقط، بل امتدت إلى الموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح. ومن أبرز الحركات الموسيقية التي ظهرت في تلك الفترة “نويفا تروفا” (Nueva Trova)، والتي نشأت في كوبا في الستينيات، كمزيج بين الموسيقى التقليدية والأغاني ذات الطابع الثوري. كانت “نويفا تروفا” استمرارًا لحركة “التروفا” الكوبية القديمة، لكنها تميزت بمحتواها السياسي والاجتماعي، حيث حملت قضايا الشعب الكوبي في كلماتها، وركزت على العدالة الاجتماعية والاستقلال. دعم النظام الحاكم هذه الحركة، ورأى فيها وسيلة لنشر القيم الاشتراكية، فأنشأ مؤسسات لتعليم الموسيقى وتعزيز الفنون. لكن في المقابل، فرضت الحكومة الكوبية رقابة صارمة على الأغاني ذات التوجه المعارض، كما حظرت موسيقى الروك آند رول، باعتبارها رمزًا للإمبريالية الأمريكية. دفع هذا الحظر الفنانين للبحث عن بدائل موسيقية تعبر عن هويتهم، مما أدى إلى تطور أنماط جديدة مثل السون والباچاتا، إلى جانب بروز الجاز اللاتيني، الذي دمج بين إيقاعات أفرو-كوبية وموسيقى الجاز الأمريكية. برزت أسماء موسيقية مثل سيليو غارسيا وبابلو ميلانيس، الذين استخدموا الفن كوسيلة للتعبير عن قضايا مجتمعهم. رغم الرقابة، استطاع الفنانون تحويل القيود إلى فرصة للإبداع مما جعل الموسيقى الكوبية تجذب الانتباه عالميًا، وتصبح رمزًا لهوية فريدة تعكس تجارب الشعب وتحدياته في تلك الفترة.
التغيير الذي اجتاح كوبا وأمريكا اللاتينية بعد الثورة كشف عن القوة المهمة للفنون، لا بوصفها انعكاسًا للتحولات الاجتماعية فحسب، بل كفاعل رئيس في تشكيلها. الأدب والموسيقى لم يكونا مجرد صوتٍ للهوية، بل كانا أداةً لإعادة خلقها، لترميم ذاكرة الشعوب وصياغة مصيرها. وربما لهذا أجد نفسي منجذبة إلى الأدب اللاتيني، ليس فقط كحكايات تُروى، بل كشهادات حية على نضال الإنسان، على توقه العنيد للحياة، حتى وهو يحدق في مصيره وجهًا لوجه.
مقطوعة من كلمتان الحرية والتانغو، وهي عمل موسيقي يجسد تحرر التانغو من قيوده التقليدية، كتبها أستور بيازولا عام 1974. وكانت إعلانًا لثورته الموسيقية التي أعادت تعريف التانغو، وأعطته مكانة جديدة على الساحة العالمية .
ماذا يقول المرء في ميلاده؟🎈 عبير اليوسفي ١٨ فبراير ٢٠٢٦ ليس كل ما يسقط منّا يُفقد… بعضه يتحول إلى أمنية. يصادف اليوم أن يكون يوم ميلادي مع موعد إرسال هذه النشرة، ومع أول يوم من رمضان. وسط زحمة ومشاغل الأسبوع، فكرت الأيام الماضية في موضوع أكتب عنه، لتبدو الساعات كأنها تسبقني بخطوة، ويصبح العثور على لحظة هادئة نوعًا من الرفاهية المؤقتة. يخطر في بالي قول محمود درويش في قصيدته لاعب النرد: «من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟». وربما لهذا بالذات يربكني عيد الميلاد كل عام؛ لأن المرء لا يعرف تمامًا ماذا...
سحر الأدب المستقل📖🖋️ عبير اليوسفي ١١ فبراير ٢٠٢٦ هل يعقل أن يكتب أحدهم أعظم الأعمال الأدبية في العالم، ثم يكرهها أو يشعر بالخجل منها؟ السؤال يبدو للوهلة الأولى، كأنه يطعن في فكرة الإبداع ذاتها. لكن العلاقة بين الكاتب ونصه، نادرًا ما تكون علاقة حب صافٍ أو اعتزاز دائم. في كثير من الأحيان تنتهي الكتابة إلى منطقة رمادية يتجاور فيها الرضا مع النفور. وليس غريبًا أن يخالف الكاتب ما يُعرف بلعنة العمل الأول، تلك الفكرة التي تقول إن النص الأول يظل الأشهر أو الأكثر التصاقا باسم صاحبه. مع مرور الزمن، قد...
نافذة على السقوط 😱🚷 فرانز كافكا عبير اليوسفي ٤ فبراير ٢٠٢٦ نادرًا ما ننتبه إلى اللحظة التي ينكسر فيها نظام حياتنا اليومي. نعيش في إيقاع ثابت، نكرر الأفعال نفسها ونطمئن إلى أن الغد يشبه الأمس. ثم تأتي لحظة صغيرة، لا ترفع صوتها ولا تعلن عن نفسها لكنها تغيّر كل شيء. بين ما كنا عليه وما نصبحه، تبدأ حكاية الإنسان حين يجد نفسه فجأة خارج العالم الذي اعتاد أن ينتمي إليه. في رواية «التحول» لفرانز كافكا الصادرة عام 1915، نستيقظ مع البطل غريغور سامسا على حدث يُقدَّم لغزًا لا يحتاج إلى حل، لأنه واقع يجب...