متعة الفرجة على الموت!


حين يكون العنف مثير💀

Author

عبير اليوسفي

في منتصف القرن العشرين، كتب الفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو في مقاله الشهير «تأملات حول المقصلة» عن حادثة غيّرت نظرة والده للأبد. خرج والده ذات صباح حاسمًا أمره لحضور إعدام علني لقاتل متسلسل أثار الرعب في المدينة، لكن الوالد عاد إلى البيت بوجه أصفر مصدوم من الهول الذي أدرك أنه لم يكن سوى طقس دامي.

تأمل كامو الذي عاش طفولة محاصرة بالمرض ومواجهة الموت المبكر، كيف تتحول المقصلة أو رصاصات الحروب من أدوات حسم إلى استعراضات بصرية تُشبع في المتابعين رغبة انتقامية مبهمة. فالجمهور الذي يحتشد لرؤية رأس تسقط، أو يتابع بشغف تفاصيل جثة ممزقة على الشاشة، يبحث عن اللذة الغريبة المرافقة للمشهد المحرم. تلك اللذة التي تجعل الإنسان يحدق في الدمار مشدوهًا بين الرعب من النهاية، والنشوة بالبقاء.

«الشعب بعد التعود على رؤية سيلان الدم يتعلم بسرعة أنه لا يستطيع الانتقام إلا بالدم».
⁠‫لاشيز ❞

لم تبدأ هذه القصة مع حروب اليوم، هي جذرٌ غائر في التكوين البشري منذ القدم. تمتد جذوره عبر مختلف الحضارات، ففي آشور القديمة كان الملوك يخلدون انتصاراتهم بنقوش جدارية تظهر قطع رؤوس الأعداء وتغرس أجسادهم على الخوازيق، لترهيب الخصوم ولتوفير مادة بصرية يتباهى بها الفاتحون وأتباعهم. وفي روما القديمة كانت حلبات الجلادياتور مسرحًا جماعيًا يتجمع فيه آلاف المواطنين لمشاهدة رجال يمزقون بعضهم بعضًا، ويصرخ الجمهور انتشاءً مع كل قطرة دم تُسفك. وفي العصور الوسطى كانت الإعدامات العامة تُقام في الميادين كالمهرجانات يهرع إليها الكبار والأطفال، وتعلوا الصيحات عندما تهوي الفأس على الرقبة. كان الناس يذهبون هناك ليشهدوا الموت نفسه، وليشعروا بذلك الشعور الفطري الغريب أنهم ما زالوا أحياء وأن الدم المسفوك ليس دمهم.

تتحول الحرب من مجرد كارثة سياسية أو عسكرية إلى تجربة حسية مكثفة تعيد ترتيب غرائز الإنسان البدائية. في أوقات السلم تعيش المجتمعات تحت سقف ثقيل من القوانين والضوابط الأخلاقية التي تقمع نزوات السيطرة والعنف. وعندما تندلع الحرب، ينهار هذا السقف دفعة واحدة، يجد العقل الجمعي فرصةً نادرة لتفريغ تلك الميول المكبوتة دون أي شعور بالذنب. يتدفق الأدرينالين في العروق، ويصبح امتلاك القدرة على سلب حياة الآخرين أو مشاهدة سلبها، أقصى تجليات السيادة والسيطرة المطلقة على الوجود.

​
​

في الواقع الميداني للحروب مثلما نعيشه ونراه في اليمن، لا يتوقف الأمر عند حدود الجبهات والقتال. يتسلل هذا التأثير تدريجيًا إلى الحياة اليومية للناس، يتغير إيقاع التفاعل مع مشاهد الدمار. وتتحول الصور الصادمة للأجساد والقتلى من مادة تثير الفزع والحداد إلى نوع من الإدمان البصري. يتابع الناس التغطيات والتفاصيل الدقيقة بشغفٍ يشبه مشاهدة أفلام الرعب، يختلط الخوف بالفضول ويزداد التعطش لمزيد من الأخبار والمشاهد كلما طال أمد الصراع. ليصبح الدم شيئًا أليفًا بل ولذيذًا للمخيلة الجائعة التي اعتادت الإثارة الفائقة ولم تعد تكتفي بالهدوء الطبيعي للحياة.

لكن انجذاب الإنسان لمناظر العنف والدمار لا يعني بالضرورة أنه يمارس الشر برغبة واعية، لكنه قد يتأثر بغريزة الخوف والفضول تجاه الموت وهو ما تجعله الحرب متاحًا بلا قيود. الحرب تخلع عن المجتمع ثوب المسؤولية وتمنح الفرد فرصة لمعايشة المشاعر الحادة التي تحظرها الحياة المدنية الهادئة.

تظل مشاهد العنف مرآة قاسية تذكرنا بمدى هشاشة القشرة الأخلاقية التي نصنعها لحماية أنفسنا، وأن الوعي بهذه الغريزة هو الخطوة الأولى لمنع الحروب من تحويلنا إلى مجرد متفرجين متبلدي الحس أمام عذاب الآخرين.


ظلال

ظلال نشرة ثقافية تسعى لمشاركة موضوعات الأدب والفنون بأسلوب متجدد تكتب في صنعاء، وتصلك كل أربعاء لتغمرك بظلال من التأملات في الأدب.

Read more from ظلال

الرواية التي أربكت فرنسا🫣📚 عبير اليوسفي ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ قديما، حين كانت المرأة تكتب كان هناك دائمًا من يشك في أن النص يمكن أن يكون لها أصلًا. وإذا بدا الصوت قويًا أو خشنًا أو مشبعًا بما يُعدّ خبرة ذكورية، ظهرت الفكرة القديمة نفسها، لا بد أن رجلًا يقف خلف هذا النص. أحتاج الأدب وقتًا طويلًا حتى يصبح من الممكن النظر إلى النص بعيدًا عن جنس كاتبه. لم تتوقف النساء عن الكتابة لأن أحدًا شك في قدرتهن على أن يكتبن الرجال. لكن ما تغير هو أن الشك نفسه بدأ يفقد سلطته، صار من الطبيعي أن تكتب امرأة شخصية...

النقطة السوداء⚫️🫆 عبير اليوسفي ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ قبل أيام كنت أفكر بعدما أدركتُ أن الإنسان لا يعرف دائمًا ما الذي يفعله في حياة الآخرين. قد نظن أننا مررنا في حياة شخصٍ ما مرورًا هادئًا ولن أقول عابرًا، بينما كان حضورنا فيها طويلًا بعد أن غادرناها. وقد يحدث العكس أيضًا، نعيش إلى جوار أحدهم مطمئنين ثم نكتشف متأخرين جدًا، أننا كنا جزءًا من ألمه بطريقة لم نقصدها ولم نرها ونحن نعيش حياتنا. هذه واحدة من الحقائق التي يصعب احتمالها، أن تكون بريئًا ومع ذلك لا تكون بريئًا تمامًا من الأثر. أن تكون منشغلًا...

خارج مسرح الطمأنينة 🎭 💭 عبير اليوسفي ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ أن تعيش، يعني في جدارة ما أن تتدرب على تغيير قياسات العبء. هناك ينبوع هادئ يُولد فيه المرء، يستند فيه على يقين مبدئي بأن العالم أرض مسطحة وآمنة، وأن الخيارات تُشبه رفوفًا ممتدة في مكتبة عامة، عليك فقط أن تمد يدك لتختار مسارك. ولسنوات كانت الحياة تُقاس بهذه المسافة. الخطوة تتبعها خطوة، والجامعة يتبعها عمل، والرفاهية ليست رفاهية بالمعنى المادي الصرف، لكن في ذلك الأمان الضمني بأن الغد سيكون امتدادًا منطقيًا لليوم، وأن الزمن خطٌّ صاعدٌ نحو...